شاهر أحمد عمير
لم يعد العدوانُ على اليمن حدثًا عابرًا في السياق الإقليمي المضطِرب، فقد تحول إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وتشابكًا في المنطقة، وفي صدارة هذا المشهد يبرز دور المملكة السعوديّة بوصفه دورًا محوريًّا ومتشعبًا من حَيثُ الأدوات والامتدادات.
ومع تراكم الوقائع، من استمرار العمليات لسنوات إلى تصاعد الكلفة الإنسانية، وُصُـولًا إلى تكرار الإعلان عن خلايا تجسس وما يُنشر من اعترافات شبكات الجواسيس، تتشكل صورة تتجاوز ظاهر العدوان وتفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة هذا الدور الذي استهدف اليمن على كُـلّ المستويات وبشكل اتسم بالخطورة والخبث الاستراتيجي.
إن هذا التدخل، الذي بدأ تحت غطاء عناوينَ مضلِّلة مثل "استعادة الشرعية" أَو "عاصفة الحزم" و"إعادة الأمل"، سَرعانَ ما كشف عن أنياب لا تستهدفُ طرفًا سياسيًّا بعينه، إنما تستهدف بنية الدولة اليمنية وهُويتها وسيادتها، وتسعى بوضوح إلى إخضاع أحرار الأُمَّــة للإرادَة الصهيو-أمريكية.
لقد اتخذت السعوديّة من نفوذها المالي والسياسي وسيلة لممارسة ضغوط قصوى، لم تقتصر على العمل العسكري المباشر الذي خلّف مآسيَ إنسانية هي الأسوأ في العصر الحديث، فقد امتدت لتشمل حربًا استخباراتية ناعمة وشرسة في آن واحد.
وما تكشفه الأجهزة الأمنية اليوم من اعترافات لشبكات تجسس تعمل لصالح الرياض، ليس إلا غيضًا من فيض لمخطّط طويل الأمد يهدف إلى تفخيخ المؤسّسات من الداخل، وضرب الاقتصاد الوطني، وإثارة الانقسامات المجتمعية لضمان بقاء اليمن في حالة من التبعية والضعف المستدام، وتأمين مصالح كَيان الاحتلال الإسرائيلي عبر تمكينه من استكمال مخطّط تصفية أحرار الأُمَّــة الإسلامية.
إن خطورة هذا الدور تكمن في استباحة الجغرافيا اليمنية كميدان لتجارب الهيمنة، مستخدمًا أدواتٍ قذرةً شملت الحصارَ الاقتصادي الخانق الذي طال لقمة عيش المواطن البسيط، والعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي عبر شراء الولاءات وزرع الخلايا التخريبية.
هذه الاعترافات المتتالية للجواسيس تضع النقاط على الحروف، وتؤكّـدُ أن المعركةَ الحقيقية التي تخوضُها الجمهورية اليمنية هي معركة استقلال سيادي بامتيَاز، ضد قوى لا تريد لهذا البلد أن ينهض أَو يمتلك قراره الحر في ممراته المائية وثرواته الطبيعية.
ورغم كُـلّ ما تجرعه الشعب اليمني خلال إحدى عشرة سنة من الحصار والقتل والتدمير، فقد ظل صامدًا شامخًا، مؤكّـدًا للعالم أجمع أنه لن يقبلَ يومًا بالتعايش مع حصار الموت والجوع.
إن المعادلة اليوم أصبحت واضحة؛ فمن غير المقبول أن تستمرَّ الرياضُ في العيش في رخاء وأمان بينما يموت اليمنيون جوعًا تحت وطأة مؤامراتها.
لذا، فإن اليمن سيضطر لاستخدام كُـلّ الوسائل والخيارات المتاحة التي تضمن رفع المعاناة عن شعبه، ممتلكًا القدرة الكاملة على قلب الطاولة دفاعًا عن كرامته.
إن كشف هذه المخطّطات يمثل انتصارًا أمنيًّا ومعنويًّا يؤكّـد أن زمن الوصاية قد ولّى، وأن اليمن يخرج من هذا المخاض أكثر وعيًا بمكامن الخطر وأكثر إصرارًا على حماية سيادته، مهما تدثَّر العدوانُ بأثواب الزيف أَو تمادى في أساليب التآمر.


.png)




.jpg)