علي عبدالمغني
إذا كان الاتحاد الأوروبي، الشريك الاستراتيجي الفعلي والتاريخي للنظام الأمريكي وكيان الاحتلال الصهيوني في كافة جرائمهما حول العالم، قد رفض الاستجابة لدعوات المجرم ترمب بالمشاركة في العدوان على إيران، أو الانضمام إلى تحالفه في البحر الأحمر، فما الذي دفع النظامَ السعودي العفن إلى التصعيد مع حلفائها في لبنان والعراق واليمن؟
رغم أن دول الاتحاد الأوروبي بعيدة عن المنطقة، ولا يمكن أن يلحقها الأذى الذي يمكن أن يلحق السعودية، وما تمتلكه هذه الدول من القوات والقدرات والأسلحة والجيوش يفوق ما يمتلكه النظام السعودي بألف ضعف على الأقل، ومصالحها في المنطقة تفوق مصالح السعودية بأضعاف مضاعفة، فما الذي جعل هذه الدول الأوروبية تتخلّى عن الأمريكيين والصهاينة في هذه المعركة منذ البداية؟ وما الذي جعل النظام السعودي يهرول نحوها في النهاية؟
الفرق بين النظام السعودي وأنظمة الاتحاد الأوروبي أن هذه الأنظمة الأوروبية تعمل لصالح بلدانها، وتشعر أنها مسؤولة أمام شعوبها، وتحسب حساب الربح والخسارة قبل التفكير في المعركة، أما النظام السعودي، ومعه بقية الأنظمة الخليجية، فهي تعمل -حصرًا- لصالح الأمريكيين والصهاينة، وتشعر أنها مُحاسبة أمام ترمب ونتنياهو، ولا وجود لشعوبها ولا لمصالح بلدانها في قاموسها.
عبارات بسيطة من ترمب ونتنياهو في مدحها تكفي لإدخالها في مواجهة طويلة مع أشقائها وجيرانها، وهذا ما قاله ترمب نفسه عن حكام هذه الأنظمة المعفّنة: (إنهم يحبون الثناء).
دول الاتحاد الأوروبي أدركت منذ البداية أن المعركة مع إيران خاسرة، وأنها مغامرة من ترمب ونتنياهو غير محسوبة وغير مدروسة، وأنها ستجر المنطقة والعالم إلى كارثة، وهذا ما تحقق فعلًا، لذلك تنحّت هذه الدول جانبًا، وقد شاهدت، وشاهدت شعوب ودول العالم، ما حل بالأمريكيين والصهاينة وأدواتهم في المنطقة من ضربات تاريخية مدمرة، قضت على القواعد الأمريكية، وكادت تقضي على الصهاينة، وتعيد الأعراب في السعودية ودول الخليج إلى العصور الحجرية لو استمرت الحرب لأسابيع قليلة، ولم تتوقف صواريخ ومسيرات محور الجهاد والمقاومة إلا بعد موافقة ترمب على كافة الشروط الإيرانية، وفي مقدمتها انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، والإفراج عن أموالهم المجمدة، ورفع كافة العقوبات عنها، وإيقاف الاعتداءات على كافة الجبهات، وخصوصًا الجبهة اللبنانية، والاعتراف بحقها في اليورانيوم المخصب، وسيادتها على مضيق هرمز، وتطوير قدراتها الصاروخية.
موافقة ترمب على الشروط الإيرانية إقرارٌ منه بالهزيمة، وإن كان الغرض من هذه الموافقة هو إخراج كيان الاحتلال الصهيوني من المواجهة، وجرّ النظام السعودي إليها رغمًا عنه، مع أنه في الحقيقة لم يتعب ترمب في إقناعه، فقد قال له ابن سلمان قبل أن يرتد إليه طرفه: (شبيك لبيك، ابن سلمان بين يديك، طال عمرك، أنا تحت أمرك)، وراح شيطان نجد يقصف الملكين هاروت وماروت في نينوى وبابل وكربلاء، ويتحدى قومًا هم أولو قوة وأولو بأس شديد من أهل اليمن، ويتدخل بملك سليمان في لبنان، ويتآمَر على عرش كسرى في إيران، مع أن ابن سلمان لم يكن عنده عِلْمٌ من كتاب، فقد كان معه هيروين وأفيون من أفغانستان وباكستان.
وعما قريب سيكتشف ترمب ونتنياهو أن ابن سلمان رهانٌ خاسر، وأن تصعيده مع إيران والعراق واليمن ولبنان لم يكن عن قناعة، ولا عن شجاعة، لقد كان تحت تخدير الكلمات الرنانة التي سمعها من سيده ترمب بأنه محارب عظيم، وقائد ملهم، وزعيم الشرق الأوسط.
كل هذه الألقاب والنياشين سوف تسقط قريبًا أمام أسود الرافدين، وملوك سبأ، ورجال كسرى، وجنود سليمان في لبنان، عليه وعليهم الصلاة والسلام، وما على ابن سلمان إلا أن ينتظر الميدان والليالي والأيام القادمة، إن شاء الله.







