مبارك حزام العسالي
في مشهدٍ يجسد ذروة التناقض السياسي والافتراء اللاأخلاقي، تعود بعضُ القوى الإقليمية اليوم لتعزفَ على وتر "التضامن العربي" و"الأمن القومي"، مطالبةً الشعب اليمني بالوقوف معها ضد ما تصفه بـ "العدوان الإيراني".
هذا الاستنجاد لا يأتي من فراغ، إنما يأتي في لحظة تتعرض فيها القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة لضربات دقيقة ردًّا على الغطرسة والعدوان الأمريكي المُستمرّ.
وهنا يقف اليمني أمام مفارقة تاريخية: كيف يطلب منه الجار أن يكون "صدّادة صواريخ" لحماية القواعد التي كانت، ولا تزال، غرفة العمليات المركَزية التي أدارت تدمير بلاده؟
١. رُبع مليون غارة.. والذاكرة التي لا تشيخ
قبل الحديث عن "الوقوف معًا"، يجب استحضار الأرقام التي لا تكذب.
ربع مليون غارة جوية لم تكن "أخطاء تقنية"، بل كانت منهجية استهدفت تحويل اليمن إلى ركام.
هذه الغارات، التي شُنت بذريعة محاربة "المد الفارسي"، لم تقتل الإيرانيين، بل قتلت الأطفال في ضحيان، والنساء والرجال في المنازل وصالات العزاء والأسواق، ودمّـرت جسور النقل ومصانع الغذاء.
كيف يُمكن لمن استمر -ولا يزال- في حصار شعبٍ كامل لمدة ١١ عامًا، مانعًا عنه أبسط مقومات الحياة من دواء ووقود وغذاء ومن السفر عبر مطاراته، أن يأتي اليوم متدثرًا بعباءة المظلومية؟
إن محاولة القفز فوق هذه الأشلاء لطلب "التحالف" هي إهانة لدموع الثكالى وعذابات المحاصرين.
٢. حقيقة الصراع: دفاعٌ عن السيادة أم حراسةٌ للتبعية؟
ما تروج له ماكينات الإعلام الخليجية على أنه "عدوان إيراني يستهدف استقرار المنطقة"، هو في حقيقته اشتباك إقليمي مباشر بين محور المقاومة والقواعد الأمريكية المعتدية على إيران.
هذه القواعد الجاثمة فوق أراضي الجزيرة العربية ليست "مراكز سلام"، إنها منطلقات للعدوان ومخازن للذخيرة التي تقتل شعوب المنطقة.
عندما ترد إيران أَو غيرها على غطرسة واشنطن باستهداف هذه القواعد، فإنها تستهدفُ "رأس الأفعى" التي أدارت الحربَ على اليمن.
لذا، فإن مطالبةَ اليمني بالاصطفافِ مع هذه القواعد هو في الحقيقة طلبٌ منه بأن يدافعَ عن "السلاح الذي قتله" وعن "المشغّل الذي حاصره".
٣. سُقوط شماعة "المد الفارسي"
لقد كشفت الأحداث أن شماعةَ "المد الفارسي" لم تكن إلا غطاءً لكسر إرادَة اليمن وإخضاعه للوصاية.
واليوم، حين يطلبون منا الوقوفَ معهم ضِدَّ هذا "المد"، فإنَّهم يقرُّون ضمنًا بفشل مشروعهم العسكري رغم إنفاق المليارات.
إنهم لا يخشون على العروبة، إنما يخشون على "الحماية الأمريكية" التي بدأت تتهاوى أمام الضربات الإيرانية.
اليمني اليوم يدرك أن عدوَّه الحقيقي ليس من يساند قضيته، بل هو ذلك "الجار" الذي استجلب الأجنبي لضرب عمقه الاستراتيجي وتدمير مقدراته السيادية.
٤. الاستحقاق الأخلاقي والسياسي
الإقناع في السياسة لا يبدأ بالشعارات الجوفاء، بل بالحقائق.
لكي يطلب هؤلاء من اليمن موقفًا، عليهم أولًا الإجَابَة على تساؤلات بسيطة:
• بأي حقٍّ حاصرتمونا ١١ عامًا؟
• بأي منطق دمّـرتم موانئَنا ومطاراتنا بذريعة أمنكم، بينما تنطلق اليوم من أراضيكم الطائرات لتهديد أمن المنطقة بأسرها؟
• لماذا تصبح "العروبة" مقدسةً فقط حين تُضرب القواعد الأمريكية، وتصبح "مباحة" حين تُقصف صنعاء وصعدة وذمار وإب وتعز وغيرها من المحافظات اليمنية شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا؟
لا لسياسة "تبادل الأدوار"
إن شعبًا صمد أمام أكثرَ من ربع مليون غارة وتحدّى أعتى حصار في العصر الحديث، لا يمكن أن يُستغفل اليوم ليكون وقودًا لمعارك أمريكا في المنطقة.
الوقوف مع دول الخليج في هذه اللحظة ليس وقوفًا مع "إخوة"، هو تشريع للعدوان والحصار المُستمرّ، وتغطية على فشلهم في حماية أنفسهم بعيدًا عن الوصاية الأمريكية.
إذن.. الرد اليمني على هذا الطلب واضح: "ارفعوا حصاركم، اعتذروا عن دمائنا، وارحلوا بقواعد أسيادكم عن أرضنا.. حينها فقط، يمكننا الحديث عن أمن المنطقة، أما اليوم، فنحن لسنا دروعًا لمن كان لنا نصالًا".

.jpg)





.jpg)