فهد شاكر أبوراس
من خلال القراءة التحليلية لخطاب السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي "حفظه الله" حول تطورات العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران يمكن استشراف خارطة طريق تصعيدية واضحة المعالم سوف يتبناها اليمن في الأيّام المقبلة في حال لم يتوقف العدوان.
وهذه الخارطة ليست مُجَـرّد اجتهادات بل هي استقراء دقيق لطبيعة الخطاب وللموقف اليمني المستقل القائم على أسس وطنية وإسلامية أصيلة، وللسوابق العملية التي أثبت فيها اليمن أنه لا يكتفي بالتهديد بل ينفذ بكل دقة وشجاعة وفق رؤيته السيادية التي لا تخضع لأية وصاية.
تبدأ هذه المراحل التصعيدية من القاعدة الشعبيّة العريضة التي تمثل الركيزة الأَسَاسية لأي تحَرّك وطني، ثم تتطور بشكل طبيعي ومنطقي عبر مراحل متدرجة تتناسب مع تطورات الميدان وردود فعل العدوّ، وكلها قرارات يمنية خالصة نابعة من قناعة القيادة والشعب بواجبهم الديني والأخلاقي.
وبعد أن تكتمل مرحلة التعبئة الشعبيّة والرسمية بشكل كامل، وتظهر النتائج من خلال المظاهرات المليونية والتي تعكس التفاف الشعب حول القيادة، سوف يتم ترجمة هذا الزخم إلى قرارات رسمية ملزمة، بالانتقال إلى المرحلة التصعيدية الثانية وهي الاستئناف الفوري والواسع للعمليات البحرية في البحرين الأحمر والعربي، فالسيد القائد لم يترك مجالًا للشك عندما ربط بين الخروج الشعبي والجهوزية الشاملة لكافة التطورات، والجهوزية هنا تعني بشكل مباشر عودة ضرب السفن المرتبطة بالعدوّ الإسرائيلي والأمريكي بقرار يمني سيادي لا ينتظر توجيهات من أحد، وهذه المرحلة تمثل جسر العبور الطبيعي من الفعل الشعبي إلى الفعل العسكري، حَيثُ تتحول الهتافات في الساحات إلى رصاص في المياه الدولية، ويتم استهداف السفن التي تثبت تورطها في دعم العدوان على إيران.
وبعد أن تكتمل مرحلة العمليات البحرية بشكل موسع، وتثبت فعاليتها في تعطيل الملاحة المرتبطة بالعدوّ وإيصال رسالة واضحة بأن البحر لم يعد آمنًا للسفن المعادية، ويتم تطوير القدرات الصاروخية والبحرية بناءً على الدروس المستفادة من هذه المرحلة، سوف يتم الانتقال إلى المرحلة التصعيدية الثالثة وهي العودة إلى استهداف العمق الإسرائيلي بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة بشكل مكثّـف، والانتقال هنا طبيعي جِـدًّا لأن السفن التي تضرب في البحر هي نفسها سفن الدعم اللوجستي للكيان الصهيوني، ولأن الشعب بعد أن يخرج بالملايين لن يرضى بأقل من قصف تل أبيب ردًا على قصف طهران، وهذه المرحلة تمثل الانتقال من الضغط الاقتصادي عبر البحر إلى الضغط العسكري المباشر على العدوّ الصهيوني.
وبعد أن تكتمل مرحلة استهداف العمق الإسرائيلي بشكل مكثّـف، وتثبت الصواريخ اليمنية قدرتها على الوصول بدقة إلى أهدافها في فلسطين المحتلّة، ويتم تطوير هذه القدرات لتشمل أهدافا أكثر حيوية وإيلامًا، سوف يتم الانتقال إلى المرحلة التصعيدية الرابعة وهي استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة بشكل مباشر، فالسيد القائد بارك في خطابه حق إيران في ضرب القواعد الأمريكية ووصفه بأنه حق مشروع، واليمن هنا لا ينتظر توجيهًا من أحد بل يتخذ قراره بناءً على تقييمه الخاص، خَاصَّة إذَا كانت هذه القواعد هي التي تدير العدوان وتزود كَيان الاحتلال بالسلاح والاستخبارات، وهذه المرحلة تمثل الانتقال من مواجهة كَيان الاحتلال وحده إلى مواجهة الراعي الأمريكي بشكل مباشر.
وبعد أن تكتمل مرحلة استهداف القواعد الأمريكية، وتتسع دائرة المواجهة لتشمل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتظهر النتائج في صورة خسائر مؤكّـدة في صفوف القوات الأمريكية، سوف يتم الانتقال إلى المرحلة التصعيدية الخامسة وهي الدخول في مرحلة حرب استنزاف طويلة المدى، فتصريحات السيد القائد عن الجهوزية لكافة التطورات تعني أن اليمن مستعد لحرب مفتوحة في الزمن، والانتقال إلى حرب الاستنزاف يأتي طبيعيًّا بعد فشل الضربات المركزة في تحقيق أهدافها، فعندما تتعقد المعادلة وتتداخل الجبهات يصبح الزمن حليف المقاومة، وهذه المرحلة تمثل الانتقال من الضربات الموجعة إلى الخنق الاقتصادي والعسكري المُستمرّ.
وبعد أن تكتمل مرحلة حرب الاستنزاف الطويلة، ويصبح العدوّ في حالة دفاع دائم ويعاني من استنزاف اقتصادي وعسكري متزايد، وتظهر الحاجة إلى مباغتته في أماكن غير متوقعة، سوف يتم الانتقال إلى المرحلة التصعيدية السادسة وهي فتح جبهات جديدة لم تكن مفتوحة سابقًا، مثل استهداف المصالح الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي، واليمن بحكم موقعه المطل على هذه المنطقة يمكنه دعم عمليات نوعية هناك، وهذه المرحلة تمثل الانتقال من الدفاع عن النفس إلى مباغتة العدوّ في عُقر داره، حَيثُ لا يتوقع الضربات.
ما يميز هذه المراحل التصعيدية جميعًا أنها لن تكون مُجَـرّد ضربات عشوائية بل جزء من استراتيجية متكاملة ومترابطة، والانتقالات بينها ليست جامدة بل تخضع لتقييم دقيق للميدان، وكل مرحلة تغذي التي تليها وتكون جاهزية لما قبلها، والمظاهرات الشعبيّة تظل مُستمرّة كخلفية دائمة لأي عمل عسكري، والعمليات البحرية تتوسع لتشمل أهدافا جديدة، والصواريخ الباليستية تزداد دقة وعددًا، والقواعد الأمريكية تترقب الضربة القادمة، وكل ذلك يحدث بموجب قرار يمني خالص لا علاقة له بأجندات خارجية.


.jpg)

.png)
.png)

