حسين بن محمد المهدي
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إلى الْإسلام وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوْا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ}.
في لحظات التاريخ الفارقة، حَيثُ لا منزلة بين المنزلتين ولا خيار سوى المواجهة، تتجلى الحقائق عاريةً من زيف الشعارات.
إننا اليوم لا نواجه مُجَـرّد عدوانٍ عابر، إنما نواجه مخاضًا عسيرًا يهدفُ إلى استئصال هُوية الأُمَّــة وتفتيت شملها.
ومن وسط هذا الركام، ينبعث نداء الحق ليذكرنا بأنَّ الوحدة ليست مُجَـرّد خيار سياسي، بل هي طوق النجاة الوحيد في بحرٍ من المتغيرات العاصفة.
إن الواجب الشرعي والقانوني والإنساني يحتم على الأُمَّــة الإسلامية جمعا أن تتوحد في مواجهة العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران وعلى الشعب الفلسطيني المظلوم، فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جميعًا وَلا تَفَرَّقُوا}
ومع ذلك فإن القضية الفلسطينية ليست قضية العرب والمسلمين وحدهم، بل هي قضية كُـلّ من يؤمن بأن الاحتلال جريمة، وأن المقاومة حق مشروع تكفله كُـلّ الشرائع والقوانين.
فالنفاق هو الخنجر المسموم في خاصرة الأُمَّــة؛ فالمتأمل في مسيرة الأمم عبر التاريخ، يدرك يقينًا أنَّ القلاع الحصينة لا تُهدم عيانًا من أبوابها الموصدة، بل تُنخر من داخل جدرانها؛ وإنَّ أعظم داءٍ استشرى في جسد أمتنا الإسلامية، وأوهن قواها، هو "داء النفاق"؛ ذلك المسلك الخفي الذي يرتدي ثوب الصلاح ليبثَّ السمَّ في الدسم، ويُظهر الولاء وفي طياته الخيانة والالتواء.
فإنَّ خطر المنافقين يكمن في كونهم "طابورًا خامسًا" يعيش بين ظهرانينا؛ يأكلون من زادنا، ويتحدثون بلساننا، لكنَّ قلوبهم تهفو إلى أعدائنا.
فإذا جَدَّ الجدُّ وحمي وطيس المواجهة مع الغزاة والمحتلّين، رأيتهم بين "مُرجفٍ" يزرع الرعب في القلوب، و"مُخذِّلٍ" يثبط العزائم ويزهّد في التضحية، و"عينٍ" تترصد العورات لتكشفها للخصوم.
لقد وصفهم الحق سبحانه بأنهم في "الدرك الأسفل من النار"، ولم يكن هذا الوعيد عبثًا؛ بل لأنَّ الكافر المعلن يواجهك وجهًا لوجه فتعرفه وتحذره، أما المنافق فهو الخنجر الغادر الذي يُغمد في الظهر والعيون نائمة.
إنهم يمارسون "القتل المعنوي" للأُمَّـة عبر بث روح الهزيمة والتشكيك في الثوابت، مما يجعل تماسك الجبهة الداخلية في مواجهتهم أوجب الواجبات.
أمام هذا الخطر المحدق، لا سبيل للأُمَّـة إلا بالعودة إلى أصل عزتها: الوحدة والتماسك.
إنَّ اعتصامنا بحبل الله جميعًا ليس خيارًا سياسيًّا فحسب، بل هو "فقه ضرورة" تفرضه التحديات الوجودية التي تحيط بنا.
إنَّ العدوّ الذي يحتل الأرض وينتهك المقدسات لا يفرق بين طائفة وأُخرى، ولا بين مذهب وآخر، بل يستهدف "الأمة" في هُويتها ووجودها.
إنَّ التماسك الذي ندعو إليه هو ذلك "البنيان المرصوص" الذي يشد بعضه بعضًا، حَيثُ تتلاشى الضغائن أمام المصالح العليا، وتصمت الأصوات النشاز التي تنادي بالفرقة والشتات.
إنَّ القوة لا تُقاس بعدد الرؤوس، بل بوحدة القلوب واتّجاه البوصلة نحو العدوّ الحقيقي.
فالشعوب الإسلامية مدعوة إلى التوحد في مواجهة الغطرسة الصهيونية.
يا أبناء هذه الأُمَّــة العظيمة، إنَّ المرحلة تقتضي منا يقظةً لا تنام، وفراسةً تُميز الخبيث من الطيب.
إنَّ كُـلّ صوتٍ يدعو إلى التخاذل عن نصرة المظلومين، أَو يُبرّر للمحتلّ غطرسته، أَو يسعى لتمزيق النسيج الوطني، هو صوتٌ مشبوه ينبع من مشكاة النفاق وإن تجمّل بعبارات الحكمة الزائفة.
لنكن يدًا واحدة في مواجهة الإرجاف، وجسدًا واحدًا في دفع العدوان.
فبالوحدة تندحر المؤامرات، وبالإخلاص تكتشف الأُمَّــة منافقيها فتنبذهم كما ينبذ الكير خبث الحديد.
"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ"، ولنعلم أنَّ النصر معقودٌ بنواصي الصادقين، وأنَّ الخزي مآلُ الغادرين، وأنَّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا، بينما الصادقون في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر: {وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئك هُمُ الْمُتَّقُونَ}.
إنَّ أخطر ما يواجه المسلم في دينه وهُويته هو "الذوبان" في معسكر الأعداء.
حين قال الحق سبحانه: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، لم يكن هذا مُجَـرّد وعيد، بل هو تكييفٌ لوثوق الصلة؛ فالموالاة والمحاباة للأعداء المحتلّين ليست مُجَـرّد زلة عابرة، بل هي نقلةٌ في الولاء تُخرج الفرد من حصن أمته لتجعله جزءًا من ماكينة خصمها.
إنَّ الموالاة هي "إقرار بالهزيمة النفسية" قبل الهزيمة العسكرية، وهي اعتراف بأنَّ قيم العدوّ وسلطانه أسمى من قيم الأُمَّــة وسيادتها.
قد يظن البعض أنَّ في مداهنة الأعداء أَو الركون إليهم حمايةً للمصالح أَو كسبًا للقوة، وهذا هو "الوهم الكبير" الذي فضحه القرآن الكريم بقوله: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}.
إنَّ التاريخ يؤكّـد أنَّ كُـلّ من ارتمى في أحضان المتربصين بأمته، لم يجنِ إلا الذل، ولم يُستخدم إلا كأدَاة مؤقتة تُلقى في سلة المهملات بمُجَـرّد انتهاء صلاحيتها.
العزّة الحقيقية هي نتاج القوة الذاتية والاعتزاز بالهُوية، لا التوسل على أعتاب القوى الطامحة.
فالركون إلى الذين ظلموا واحتلوا الديار ليس مُجَـرّد صمتٍ سلبي، بل هو "خيانةٌ للشهداء والجرحى"، وتوهينٌ لعزائم المرابطين.
إنَّ محاباة الأعداء تفتح الثغرات في جدار الأُمَّــة المنيع، وتسمح للفيروسات الفكرية والسياسية بالتسلل لتفتيت النسيج الواحد.
لذا جاء التحذير الإلهي حاسمًا: {وَلَا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}؛ فالنار هنا هي نار الفتنة في الدنيا، ونار الجحيم في الآخرة.
اليمن والقيادة القرآنية نموذج الإسناد العملي، إنَّ البديل الشرعي والوحيد للتبعية هو "الاعتصام".
وحبل الله المتين هو القرآن والسنة، وهما الدستور الذي يحمي الأُمَّــة من التيه.
وهَـا هو يمن الإيمان والحكمة بقيادة قائد المسيرة القرآنية يبادر إلى منابذة الصهيونية وإعلان الجهاد، والقيام بعمليات صاروخية وطائرات مسيرة لنصرة الأقصى الشريف والشعب الفلسطيني المظلوم والجمهورية الإسلامية في إيران.
فخارطة الطريق للتعامل مع الأعداء، ومنهج بناء القوة الشاملة، يتمثلان في التطبيق العملي لتناصر الأُمَّــة وتوحدها؛ قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئك سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
إنَّ هذه الخارطة لا تكتمل بمُجَـرّد الأمنيات، بل تترجمها أفعال تجعل العدوّ يئنُّ في اقتصاده وإعلامِه كما يئنُّ في ميدان المواجهة.
إنَّ تكامل جبهات الإسناد من يمن الإيمان إلى طهران الصمود، وُصُـولًا إلى غزة العزة، يفرض على الشعوب أن تكون هي الرديف الاستراتيجي؛ عبر تفعيل سلاح المقاطعة الشاملة، وخوض معركة الوعي الرقمي لكسر شوكة المرجفين، ليعلم العالم أنَّ وحدة الساحات ليست شعارًا، بل هي قدرٌ محتوم يُحاصر الطغيان ويُعجل بالنصر.
فمقارعة الظلم هو واجب شرعي وأخلاقي وإنساني؛ ففي الحديث النبوي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال «لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها قالوا يا رسول الله وما الاستخفاف بحقها قال يظهر العمل بمعاصي الله فلا ينكر ولا يغير» وعن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال «اذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم» رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.
إنَّ ما تمر به الأُمَّــة اليوم من تكالب الأعداء وتعديهم على الأرض والمقدسات، يفرض علينا أن نلقيَ بـ "أوزار الفرقة" خلف ظهورنا.
إنَّ الاعتصام بحبل الله لا يكتمل إلا بنبذ "حبال التبعية" للأجنبي.
فلتكن وَحدتُنا هي "الركن الشديد" الذي نأوي إليه، ولنكن على يقين أنَّ الأُمَّــة التي تتوكل على الله حق التوكل، وتتمسك بسنة نبيها في العزة والجهاد، لا تُهزم أبدًا وإن تظاهر عليها من بأقطارها.
إنَّ موالاة الأعداء "انتحار معنوي"، والاعتصام بحبل الله "حياةٌ وعزة"؛ فليختر كُـلّ ذي لبٍّ مكانه في خندق الصادقين، فما بعد الحق إلا الضلال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.
ليُدرك القريب والبعيد أنَّ هذه الأُمَّــة قد استيقظت، وأنَّ غبار الذل الذي تراكم لعقود قد بدأ بالانجلاء.
إنَّ رهانات المرجفين والمطبعين ستسقط تحت أقدام المرابطين الصادقين.
فالمستقبل لا يصنعه من ارتمى في أحضان العدوّ طمعًا في عزةٍ زائفة، بل يصنعه من توكل على الله، واعتصم بحبله، وآمن بأنَّ فجر الحرية لا بدَّ أن يشرق من فوهات بنادق الشرفاء.
وما النصر إلا صبر ساعة.
والنصر للإسلام قادم بإذن الله: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
* عضو رابطة علماء اليمن




.jpg)


