عبدالله عبدالعزيز الحمران
عبر التاريخ، لم تسقط الإمبراطوريات؛ بسَببِ ضَعفها المفاجئ؛ بلْ بسَببِ غرورها.. فعندما يظن الجبابرةُ أن قوتَهم مطلقة، وأن إرادتَهم نافذةٌ على العالم كله، تبدأُ لحظةَ السقوط بالتشكل.
وهذه الحقيقة التاريخية تتجسد اليوم بوضوح في السياسات الأمريكية، وفي السلوك المتغطرس الذي مثّله دونالد ترامب.
فترامب لم يكن مُجَـرّد رئيس أمريكي مثير للجدل، بل كان نموذجًا فاضحًا لعقلية الهيمنة التي تحكم السياسة الأمريكية.
عقليةٌ ترى العالمَ ساحةَ نفوذ مفتوحة، والشعوب مُجَـرّد أدوات يمكن إخضاعها بالقوة أَو الابتزاز أَو الحصار.
لقد تعامل ترامب مع العالم بلغة التهديد والابتزاز، وتصرّف وكأن الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها على الجميع دون حساب.
لكن هذه السياسة، بدلًا من أن تعزز النفوذ الأمريكي، كشفت حجم التخبط الذي تعيشه واشنطن، وأظهرت حدود القوة الأمريكية عندما تواجه إرادَة الشعوب.
ولم يكن كَيان الاحتلال الصهيوني بعيدًا عن نتائج هذه الحماقة السياسية.
فالدعم الأمريكي الأعمى، والسياسات العدوانية التي شجعتها واشنطن، لم تمنح هذا الكيان الغاصب قوة حقيقية، بل زادت من عزلته وكشفت هشاشته أمام صمود شعوب المنطقة وقوى المقاومة.
إن العدوان الأمريكي المتكرّر على إيران واليمن وفلسطين وسوريا وفنزويلا، إلى جانب الضغوط الاقتصادية وفرض السياسات المالية على دول المنطقة، يعكس عقلية متغطرسة تتوهم أن العالم لا يزال يعيش في زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة.
غير أن الواقع يتغير، والشعوب التي واجهت الحصار والحروب أثبتت أن إرادتها أقوى من حسابات القوة والغطرسة.
لقد ظن ترامب ومن يقف خلفه أن القوة العسكرية والاقتصادية كافية لإخضاع العالم، لكن التاريخ يثبت العكس دائمًا.
فالإمبراطوريات لا تنهار حين تضعف فقط، بل حين تعجز عن فهم التحولات من حولها، وحين يسيطر الغرور على قراراتها.
وما نشهده اليوم هو صورة واضحة لهذه اللحظة التاريخية: أمريكا تواصل سياساتها العدوانية، لكنها تفقد قدرتها على فرض الهيمنة كما كانت تفعل في الماضي، بينما يزداد وعي الشعوب واستعدادها لمواجهة الظلم والاحتلال.
إن الشعوب التي صمدت في إيران واليمن وفلسطين وسوريا وفنزويلا، والتي واجهت العدوان الأمريكي والصهيوني بإرادَة لا تنكسر، هي التي ترسم ملامح مرحلة جديدة في العالم؛ مرحلة تتراجع فيها هيمنة الجبابرة، ويُكتب فيها فصل جديد عنوانه كرامة الشعوب واستقلالها.
فالتاريخ لا يرحم المتغطرسين، ولا يخلّد الطغاة، بل يكتب النهاية دائمًا لأُولئك الذين ظنوا يومًا أن قوتهم فوق كُـلّ قوة، وأن العالم سيظل خاضعًا لإرادتهم إلى الأبد.






