مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

هاشم الوادعي
​تكشف التسريبات والتقارير الأخيرة، وفي مقدمتها ما نشرته صحيفة "معاريف" العبرية، عن أزمة هيكلية متصاعدة تضرب ميناء "إيلات"؛ إذ وجهت إدارته نداءً عاجلاً إلى "مجلس الأمن القومي" الإسرائيلي، مطالبة بضرورة إدراج إنهاء ما وصفته بـ "الحصار اليمني" وفتح مضيق باب المندب ضمن أي تسوية إقليمية قادمة.

​هذا النداء يعكس صورة قاتمة لميناء يعيش شللاً شبه تام منذ أكثر من عامين، متكبداً خسائر اقتصادية فادحة وتراجعاً غير مسبوق في نشاطه التجاري. وباتت إدارة الميناء ترى في ضمان حرية الملاحة عبر البحر الأحمر "مصلحة وطنية عليا"، محذرة من مغبة تجاهل هذا الملف في أي تفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، ومطالبة بضمانات دولية صريحة تنقذ أحد أهم الشرايين الاقتصادية من اختناق محقق.

​ما وراء الشلل: من التأثير الجزئي إلى التعطيل البنيوي

​لا يمثل هذا المشهد مجرد تفصيل إضافي في يوميات الصراع، بل هو اعتراف إسرائيلي صريح وموثق بأن ما يشهده ميناء "إيلات" ليس ظرفاً طارئاً أو أزمة عابرة بل نتيجة مباشرة لتحول جيواستراتيجي عميق في معادلات السيطرة على البحر الأحمر، حيث سقطت النظرية التي تفترض أن التفوق العسكري التقليدي كافٍ لضمان تدفق التجارة وحماية الممرات الحيوية.

​هذا  التوصيف لحالة الميناء بـ "الشلل شبه الكامل" يؤكد أن الأزمة قفزت من مربع التأثير التكتيكي الجزئي إلى مستوى "التعطيل البنيوي". وقد تجلى ذلك بوضوح في المعطيات الميدانية للعامين الماضيين؛ فقد تراجعت حركة السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني بشكل حاد، وأُجبرت كبريات شركات الشحن الدولية على تحويل مساراتها هرباً من مضيق باب المندب نحو طريق رأس الرجاء الصالح.

هذا التغيير الإجباري أدى إلى تضاعف زمن الرحلات، وارتفاع جنوني في تكاليف التأمين والنقل، مما أسفر في النهاية عن تضخم كلفة الواردات وتآكل القدرة التنافسية للاقتصاد الإسرائيلي.

​انهيار الردع: من موقع الفاعل إلى المستجدي

​لعل المفارقة الأبرز التي يفضحها هذا الواقع، هي أن الكيان الإسرائيلي الذي طالما سوّق لنفسه كقوة إقليمية قادرة على حماية الملاحة وتأمين مصالح حلفائه يجد نفسه اليوم في موقف من يستجدي ضمانات دولية لإبقاء ممر بحري واحد مفتوحاً. وهذا الانزلاق من موقع "الفاعل المنيع" إلى موقع المطالب بالحماية، يعكس تآكلاً تدريجياً في مفهوم "الردع"؛ إذ لم تعد القوة تُقاس اليوم بحجم الأساطيل البحرية، بل بالقدرة على خلق "بيئة مخاطرة" تجبر الخصم على الانكفاء والانسحاب دون الحاجة للاشتباك المباشر معه

اليمن.. الفاعل الاستراتيجي وصاحب اليد الطولى

​لا يمكن قراءة الانهيار في منظومة الردع الإسرائيلية والتخبط الدولي في البحر الأحمر دون التوقف عند الفاعل الرئيسي الذي هندس هذه المعادلة وفرض إيقاعها: اليمن. إن معادلة "الخنق الذكي" لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج إرادة وقدرة يمنية فرضت واقعاً جيواستراتيجياً جديداً، محولةً الجغرافيا من مجرد ممر مائي إلى سلاح ردع حاسم.

​لقد أثبتت مجريات العامين الماضيين أن اليمن في معركة إسناده لغزة، وبموقعه السيادي الحاكم على مضيق باب المندب، لم يعد مجرد طرف يمكن تجاوزه أو تهميشه في الحسابات الدولية، بل أصبح صاحب "اليد الطولى" القادرة على شلّ شريان حيوي للاقتصاد الصهيوني. هذا التحول اليمني من الدفاع المحلي إلى التأثير الاستراتيجي العابر للحدود، كشف عجز الأساطيل الغربية والقدرات العسكرية التقليدية عن كسر "الحصار اليمني" المفروض على الموانئ المرتبطة بالكيان.

​إيضا محاولة الاحتلال الإسرائيلي ربط أزمته بتفاهمات مع أطراف إقليمية أخرى ليست سوى محاولة للهروب من الاعتراف بالواقع المرير الذي يتمثل في  أن القرار في البحر الأحمر بات يمنياً بامتياز وأن اليمن نجح في فرض "بيئة مخاطرة" صارمة أثبتت القوة  لمن يمتلك الجرأة على التحكم بالممرات، والقدرة على تحويل البحر من مساحة للهيمنة الإسرائيلية-الأمريكية، إلى أداة خنق وعقاب استراتيجي تُدار بامتياز من صنعاء.

الترابط الإقليمي والأمن الداخلي

​إن محاولة الكيان الصهيوني إلقاء اللائمة على إيران، رغم كونها امتداداً للسردية التقليدية، تكشف في عمقها عن إدراك إسرائيلي بأن ما يجري هو حلقة ضمن سلسلة ضغط إقليمية مترابطة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر. وأي اهتزاز في هذه الجغرافيا ينعكس فوراً على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يفسر الهلع الإسرائيلي من احتمالية تهميش أمن الميناء في أي صفقة أمريكية-إيرانية كبرى.

​على الصعيد الداخلي، يسلّط هذا الواقع الضوء على انتقال عدوى الأزمة من الموانئ إلى العمق الاجتماعي. فالحديث عن مئات العائلات التي فقدت أو كادت تفقد مصدر رزقها المرتبط بالميناء، يمثل جرس إنذار يحذر من بداية تآكل الاستقرار الاقتصادي المحلي.

والتاريخ يثبت أن الأزمات الأمنية، حين يطول أمدها وتضرب العصب الاقتصادي، تتحول حتماً إلى أزمات ثقة تخلخل تماسك الجبهة الداخلية.

​"الخنق الذكي".. المعادلة الجديدة

​إن إصرار الكيان على ربط "فتح باب المندب" بأي تسوية سياسية يؤكد تسليمها بحقيقة مرة في أن التحكم بالممرات البحرية لم يعد حكراً على القوى العظمى، بل أصبح ورقة تفاوضية فاعلة بيد قوى كانت تُصنف تقليدياً ضمن الفاعلين "محدودي الإمكانات" ليبرز اننا  أمام نموذج مبتكر من الصراع يمكن تسميته بـ "الخنق الذكي".

 هذه الاستراتيجية تتمثل في إنه لا يتم إغلاق الممر المائي مادياً وعسكرياً بالكامل، بل يُترك مفتوحاً من الناحية النظرية، ولكنه يُصبح "مكلفاً جداً" وعالي المخاطر من الناحية العملية وهذا التكتيك يدفع الفاعلين الاقتصاديين وشركات الملاحة إلى الانسحاب الطوعي، مما يفرغ الآلة العسكرية التقليدية للخصم من أي فاعلية، ويشل حركته دون الدخول معه في حرب شاملة.

​خلاصة

​لم يعد مقال "معاريف" أو نداءات إدارة الميناء مجرد صرخة استغاثة اقتصادية؛ إنها إعلان غير رسمي عن مأزق استراتيجي أعمق. تقف فيه إسرائيل اليوم أمام بيئة بحرية معادية تعجز عن ترويضها، وضغط اقتصادي متراكم يصعب تحمله، وعجز عسكري عن فرض قواعد اشتباك جديدة، مما يعمق ارتهانها للحلول الدبلوماسية الخارجية.

​ما يحدث في إيلات وباب المندب يتجاوز فكرة "أزمة ميناء"؛ بل يمثّل إعلان عن إعادة تشكيل لقواعد القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، وعنوان هذه المرحلة واضح في أن البحر الأبيض والأحمر، اللذان كانا لعقود طويلة مسرحاً للهيمنة أحادية القطب، تحولا اليوم إلى ساحات لإعادة توزيع القوة وفرض المعادلات الجديدة.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر