عدنان عبدالله الجنيد
لم تعد البحار مساحاتٍ محايدة، بل تحولت الجغرافيا من مسرح للنفوذ إلى أدَاة لكسر الهيمنة.
ما نشهده اليوم هو الانهيار الفعلي لأُسطورة "الأمن البحري المطلق"، وبداية العد التنازلي للسيطرة الأمريكية على شرايين الاقتصاد العالمي عبر إطباق فكي الكماشة البحرية.
أولًا: دلالةُ الاسمِ والمصير.. ندمُ الاستكبار وسجنُ الهيمنة
تتكلم الجغرافيا لغة القدر في هذا الصراع الوجودي:
بابُ المندب: تحول من اسم ارتبط بـ "الندب" إلى بوابة "ندم استراتيجي" لقوى الاحتلال التي أغلقت الممر بغطرستها.
مضيقُ هرمز: انقلب من "حصن" للهيمنة إلى سجن جغرافي لمن راهنوا على احتكاره، ليتحول إلى بركان سيادي يبتلع أوهام السيطرة.
ثانيًا: لغةُ الأرقام.. الزلزالُ الاقتصاديُّ الصادم
لم يعد الاقتصاد العالمي رهينة البنوك، بل رهينة المضائق التي سجلت أرقاما غير مسبوقة:
في هرمز (معركة الوعد الصادق 4): انهيار حركة المرور بنسبة 97 %، وحصار 20 مليون برميل نفط يوميًّا داخل الخليج، مع خروج 20 % من إمدَادات الغاز المسال العالمية.
في باب المندب (معركة الفتح الموعود): تحويل قسري للسفن نحو رأس الرجاء الصالح، مما أضاف 20 يومًا زمنيًّا وارتفاعا في الكلف بنسبة 60 %.
النتائج المباشرة: اختراق خام برنت حاجز 100 دولار (مع توقعات بالوصول لـ 200)، وقفز أقساط التأمين إلى 3 % من قيمة السفينة.
ثالثًا: سقوطُ الأساطير.. الحاملاتُ خارجَ المعادلة
انتهى زمن الرموز النفسية للهيمنة، وبقي المعدن عاريًا من القداسة:
الفشلُ الوظيفي: اعتراف رسمي أمريكي بعدم القدرة على مرافقة السفن، وسقوط أكثر من 680 قتيلًا وجريحًا في صفوف قواتهم البحرية.
تكاملُ الأدوار: كما تعاقب الأنبياء على كسر الطغيان، يتكامل اليوم "ورثة موسى" في اليمن مع "ورثة كسرى" في إيران بأدوات العصر: (مسيرات، صواريخ دقيقة، ذكاء عملياتي).
رابعًا: الفجرُ الجديدُ للممراتِ المائية
نحن أمام نظام بحري جديد لا تحكمه الأساطيل، بل الإرادَة السيادية:
الإغلاق المتزامن: القادم هو القرار التاريخي بإغلاق فكي الكماشة بشكل مفاجئ، مما سيحول الضغط من عسكري إلى وجودي ينهي زمن القطبية الواحدة.
بوابةُ الكرامة: من أراد التحكم في العالم، عليه أولًا أن يمر من بوابة الكرامة التي رسمها محور المقاومة بدمائه وصموده.
غرقُ فرعونِ العصرِ بينَ مضيقين
كما غرق فرعون مصر بين شقي البحر، يغرق اليوم "فرعون العصر" بين المندب وهرمز.
إنها النفسية الفرعونية ذاتها التي لم تعتبر من الآية الأولى، فابتلعتها الثانية.
البحار اليوم تشهد أن زمن الهيمنة قد انتهى، وأن السيادة لمن يملك الإرادَة لا لمن يملك الحاملات.
إذن.. المضائقُ لم تعد ممراتٍ للتجارة.. بل منصاتٍ لإعادة صياغةِ التأريخ.



.jpg)



