طلال الغادر
ليس ما يرتكبه كَيان الاحتلال اليوم من مجازر في غزة ولبنان وليد اللحظة، بل هو حلقة ممتدة في مسلسل إجرامي منظم بدأ قبل أن يسمع العالم عن "حزب الله" أَو "حماس" أَو "الحوثيين"، قبل انتفاضات المقاومة، وقبل قيام الثورة الإسلامية في إيران.
إنها جريمة تمتد جذورها إلى مطلع القرن العشرين، حين بدأت العصابات الصهيونية تمهد لأكبر عملية تطهير عرقي في التاريخ الحديث.
الفصل الأول: البدايات – من الهجرة إلى الإرهاب المنظم
بدأت البذرة الأولى للإجرام الصهيوني مع تدفق موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين أواخر القرن التاسع عشر، حين شرعت المنظمات الصهيونية في الاستحواذ على الأراضي من مالكيها العرب وبناء المستوطنات.
لكن التحول النوعي حدث في ثلاثينيات القرن العشرين، مع تشكل العصابات المسلحة كـ"الهاغاناه" و"الإرجون" و"شتيرن"، التي حوّلت فلسطين إلى مسرح لجرائم يومية بحق المدنيين العزل.
قبل 1948، كان سوق حيفا مسرحًا لتكرار الجريمة: ففي 6 مارس 1938، ألقى إرهابيو "إتسل" و"ليحي" قنبلة في السوق، فأدت إلى استشهاد 18 عربيًّا.
وفي 6 يوليو من العام نفسه، فجرت عصابة "إتسل" سيارتين ملغومتين في السوق نفسه، فارتقى 21 شهيدًا وجرح 52 آخرون.
وبعد أَيَّـام، في 25 يوليو 1938، فجّرت السيارة الملغومة الثالثة في السوق العربية بحيفا، لتضيف 35 شهيدًا و70 جريحًا إلى قوائم الإجرام.
وفي اليوم التالي، قنبلة رابعة تسقط 47 شهيدًا آخرين.
هذه الجرائم المنظمة لم تتوقف طوال الأعوام التالية، ففي 20 يونيو 1947، وضعت عناصر "إتسل" و"ليحي" قنبلة في صندوق خضار مموه في سوق حيفا، فأسفر الانفجار عن استشهاد 78 عربيًّا.
الفصل الثاني: خطة التطهير ونكبة 1948
لم تكن تلك المجازر عشوائية، بل كانت جزءًا من خطة ممنهجة هدفها تطهير فلسطين من سكانها الأصليين.
فمع حلول 1947، بدأت العصابات الصهيونية في تنفيذ عمليات مكثّـفة: في 31 ديسمبر 1947، هاجمت قوة من "البالماخ" قرية بلد الشيخ، فدمّـرت عشرات البيوت وأسقطت 60 شهيدًا بينهم أطفال ونساء.
وفي 30 ديسمبر 1947، هاجمت قوة صهيونية قرية الشيخ بريك قرب حيفا، فقتلت 40 من سكانها.
مذبحة دير ياسين تمثل ذروة البشاعة في هذه المرحلة.
في 9 إبريل 1948، أي قبل أقل من شهر من إعلان قيام كَيان الاحتلال، هاجمت منظمتا "الإرجون" و"شتيرن" القرية الهادئة غرب القدس، وأقدمتا على قتل ما بين 250 و360 فلسطينيًّا، بينهم نساء وأطفال ومسنون، بأبشع طرق القتل.
لم تكن المذبحة مُجَـرّد عمل انتقامي؛ بل كانت رسالة إرهاب منظمة، قصد بها إجبار الفلسطينيين على الهرب، في مشهد تكرّر في مئات القرى والبلدات.
تقرير لصحيفة واشنطن بوست يؤكّـد أن "العمليات العسكرية الإسرائيلية والحروب النفسية اقتلعت الفلسطينيين من جذورهم في عام 1948"، وأن المقاتلين اليهود كانوا "العامل الرئيسي" في الهجرة الجماعية.
حصيلة التطهير العرقي كانت مروعة: بحلول مايو 1948، استولت القوات الصهيونية على مدن كبرى كيافا وحيفا وطبريا، بينما نزح نحو 750، 000 فلسطيني عن ديارهم، فيما أقرّ كَيان الاحتلال بمسؤوليته عن تهجير ثلثي الشعب الفلسطيني من أراضيه.
الفصل الثالث: بعد النكبة – التطهير يستمر داخل الخط الأخضر
مع قيام كَيان الاحتلال، لم تتوقف الجرائم، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة من إرهاب الدولة.
مذبحة كفر قاسم، في 29 أُكتوبر 1956، تمثل أبرز شاهد على استمرار الإجرام.
في مساء ذلك اليوم، أقدم حرس الحدود الإسرائيلي على إعدام 49 مدنيًّا فلسطينيًّا عُزّلًا بالرصاص، بينهم 23 طفلًا دون الثامنة عشرة، وطفل في الرابعة، وامرأة حامل، ومسن يبلغ 90 عامًا.
الجريمة ارتُكبت في قرية فلسطينية داخل أراضي 48، أي أن ضحاياها هم من تبقى من الفلسطينيين بعد النكبة، ما يكشف أن التطهير لم يكن مرحليًّا بل مشروعًا دائمًا.
الفصل الرابع: حرب 1967 – استكمال مشروع الاحتلال
في يونيو 1967، وفي غضون ستة أَيَّـام، احتلَّ كَيان الاحتلال ما تبقى من فلسطين: الضفة الغربية، قطاع غزة، القدس الشرقية، إضافة إلى مرتفعات الجولان السورية وسيناء المصرية.
بين 15 ألفًا و25 ألف عربي قُتلوا في هذه الحرب، بينما أُصيب نحو 45 ألفًا.
واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، لا يزال كَيان الاحتلال تحتل تلك الأراضي، وتواصل بناء المستوطنات وتوسيع التهجير القسري.
هذه الجرائم، التي وثقتها المصادر الفلسطينية والعربية والدولية، تثبت حقيقة واحدة: أن الإجرام الصهيوني ليس رد فعل على وجود المقاومة، بل هو الأصل والمحرك.
المقاومة وُجدت لأن الإجرام سبقها واقتضتها ضرورة البقاء.
ولعل صحيفة واشنطن بوست أوجزت الحقيقة بعبارة واصفة كَيان الاحتلال بأنهم "سفاحون بالوراثة".
ولئن كانت الجرائم تتجدد اليوم في غزة ولبنان، فإن جذورها تمتد إلى عقود خلت، حَيثُ بدأ المسلسل الإجرامي الذي لن يتوقف إلا بزوال أسبابه.




.jpg)


