شعفل علي عمير
الجبر والإرجاء هما وجهان متكاملان لعملة واحدة تُعرف بـ "دين الملوك".
فالجبرية تدعونا إلى الإيمان بأن كُـلّ ما يحدث هو تقدير إلهي، وأن الحاكم هو مفوض من الله، لذا ليس من حقنا الاعتراض على قدره.
ومن جهة أُخرى، يأتي الإرجاء ليكمل هذه الرؤية، حَيثُ يعطينا عذرًا لتجاهل ظلم الحاكم، مؤكّـدًا أن مصيره بيد الله، وَنحن يجب أن نؤجل قرارنا بشأنه إلى يوم القيامة.
هذه الثنائية تُنتج إنسانا مستسلمًا، يرفع شعار "الخروج فتنة" و"حقن الدماء"، حتى وإن كانت النتيجة هي الخضوع والاستبداد.
والنتيجة تقديس الحاكم وتجريد الأُمَّــة من إرادتها.
الجبر والإرجاء: نشأتهما وأهدافهما:
الجبر في السياق الإسلامي يشير إلى فكرة القدرية المطلقة، حَيثُ يُعتقد أن الإنسان مسير في أفعاله ولا يملك القدرة على تغيير مصيره.
يعتمد هذا الفكر على تبرير أفعال الحكام؛ باعتبَارها "إرادَة الله"، مما يسهل تبرير الاستبداد والقسوة.
أما الإرجاء، فيعتبر من أهم الأيديولوجيات التي تقدم فكرة تأجيل الحكم على أعمال الإنسان إلى يوم القيامة، مما يعني أن الإيمان وحده يكفي لتحقيق النجاة بغض النظر عن الأعمال.
هذا ساعد الحكام على تعزيز فكرة أن السلطة الزمنية ليست عرضة للمحاسبة الدينية المباشرة وهذا ما رُوج له في العهد الأموي قديمًا وفي عهد الدولة السعوديّة حديثا.
الولاء لليهود والنصارى:
في سياق العلاقة مع غير المسلمين، يلاحظ أن ظاهرة الجبر والإرجاء قد استخدمت لتبرير التعاون مع القوى الخارجية.
في العصور القديمة، استخدم بعض الحكام هذه الأدوات لتبرير تنازلاتهم السياسية والتجارية لليهود والنصارى.
وحديثًا، نرى استخداما مشابهًا، حَيثُ يتم تسويغ التحالفات السياسية والاستراتيجية مع القوى الغربية بشكل يتماشى مع هذه الأفكار، حَيثُ تم تصوير تلك التحالفات على أنها ضرورية وقضاء مقدر لا بُـدَّ منه.
وقد تجلى بشكل صريح في فتاوى وأقوال علماء السُلطة في بعض دول الخليج.
الوهَّـابية وطاعة ولي الأمر:
في العصر الحديث، يبدو أن تطبيق الفكر الوهَّـابي لايدلوجية الجبر والإرجاء من خلال لترسيخ فكرة طاعة ولي الأمر بشكل أعمى ومطلق، هذا الفكر يعتمد على تفسيرات مشوهة للنصوص الدينية، تؤكّـد على وجوب الطاعة ولي الأمر حتى وإن كان كافرًا أَو ظالمًا! إلى الحد الذي يقول فيه علماء السُلطة إن طاعة ولي الأمر من طاعة الله؛ باعتبَار ولي الأمر هو من إرادَة الله بحيث يتم استغلال هذه التفسيرات لتبرير التحالفات السياسية والاقتصادية وكذلك التطبيع مع كَيان الاحتلال الصهيوني، مما يعزز ثقافة الخضوع والانصياع ويبعد الشعوب عن المطالبة بحقوقها السياسية والاجتماعية! كيف يمكن أن تسمح الشعوب بأن تُمارَس علينا هذه الأفكار المنحرفة وتجبر ها على السكوت بينما تتجاوز إرادَة الحكام ثوابتها الدينية ويُداس على كرامتها؟!
الخلاصة
الجبر والإرجاء كأدوات فكرية لم يعد دورهما مقتصرًا على تبرير الاستبداد الداخلي، بل امتد ليشمل تبرير التبعية للخارج.
إنه فكر يجعل من الدين مطية للملوك، ويسقط الواجب الشرعي في نصرة الأُمَّــة، ليحل محله طاعة عمياء لسلطان لا يمثل الأُمَّــة ولا يعبر عن إرادتها.
وهذا هو أخطر ما في هذه الظاهرة: تحويل الدين إلى شرطي للاستبداد، وحارس للتبعية، بدلًا عن أن يكون قوة تحرّر.






.png)
