شاهر أحمد عمير
في عام 2003، شهد العراق واحدًا من أخطر التحولات السياسية والعسكرية في تاريخ المنطقة، بسقوط بغداد تحت ضربات الغزو الأمريكي.
وقد رُوِّج آنذاك، في بعض التحليلات السطحية والمغرِضة، لادِّعاء وجود تنسيق «إيراني–أمريكي» وراء هذا السقوط، غير أن الوقائع الميدانية والوثائق السياسية تكشف حقيقة مغايرة تمامًا.
فالقوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران وسوريا، أدركت منذ اللحظة الأولى أن الغزو الأمريكي للعراق لا يستهدف بغداد وحدها، بل يشكل تهديدًا وجوديًّا شاملًا للمنطقة بأكملها.
لذلك لم يقتصر موقفها على الرفض السياسي، بل امتد إلى العمل الميداني الهادف إلى إفشال المشروع الأمريكي عبر دعم المقاومة العراقية بمختلف أطيافها.
وبعد أسابيع قليلة من سقوط بغداد، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش إدراج دمشق وطهران ضمن ما سمّاه «محور الشر»، في خطوة مثّلت إعلان مواجهة مبكرة معهما.
عندها كان القرار الاستراتيجي واضحًا لدى محور الرفض: يجب ألا يخرج الأمريكي من العراق منتصرًا، بل لا بد من تحويل العراق إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد للقوات الأمريكية.
وفي الوقت ذاته، عملت إيران وحزب الله على بناء مقاومة عراقية متقدمة، عبر تدريب المقاتلين على حرب العصابات وتزويد الفصائل بعبوات ناسفة متطورة نجحت في اختراق أُسطورة دبابة «أبرامز» الأمريكية.
وقد أَدَّى هذا التنسيق إلى فتح جبهات متعددة أربكت القيادة العسكرية الأمريكية، وجعلت الحسم العسكري أمرًا مستحيلًا، وأطالت أمد الحرب لسنوات.
كما كان لموقف الشهيد القائد وحركة أنصار الله في اليمن حضور مبكر وواضح ضد الغزو الأمريكي، في أول تعبير شعبي صريح عن رفض العدوان.
وقد وضعت هذه المواقف النظام اليمني، الذي كان ينسّق مع واشنطن، أمام تحديات داخلية كبيرة، ومهّدت لاحقًا لاندلاع أولى الحروب في صعدة.
وعلى مستوى إدارة الصراع، نجحت القوى الإقليمية في توزيع الجبهات بذكاء؛ إذ أُنيطت الفصائل السنية المدعومة من سوريا بإرباك الأمريكي في الشمال والغرب، فيما تولّت الفصائل الشيعية المدعومة من إيران وحزب الله استنزافه في الوسط والجنوب.
هذا التوزيع المتكامل أَدَّى إلى إنهاك القوات الأمريكية ماديًّا وبشريًّا، وانتهى بانسحابها من العراق عام 2011.
ورغم نجاح هذه الاستراتيجية في كسر المشروع الأمريكي، فإنها حملت لاحقًا نتائج معقدة، حَيثُ تحوّل بعض المقاتلين إلى تنظيمات متطرفة، أبرزها داعش، التي استهدفت العراق وسوريا في مراحل لاحقة.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن الأولوية الاستراتيجية في تلك المرحلة كانت كسر الهيمنة الأمريكية ومنع تثبيت احتلال دائم للمنطقة.
إن تجربة العراق بعد 2003 تقدم درسًا بالغ الأهميّة في مقاومة القوى الكبرى، وتؤكّـد أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق السيطرة.
فإدارة الجبهات الشعبيّة والسياسية والميدانية بوعي وتكامل قادرة على قلب موازين القوى، وفرض أثمان باهظة على المعتدين.
لقد كان سقوط نظام صدام حسين نتيجة مباشرة للقوة الجوية الأمريكية، لكن إفشال المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة كان ثمرة الدور المحوري الذي لعبته إيران وسوريا عبر دعم المقاومة.
وهو ما يدحض الادِّعاءات التي حاولت تصويرهما كحليفين للغزو، ويؤكّـد أنهما كانتا عاملين أَسَاسيين في إعادة رسم موازين القوى بعد الاحتلال.
وفي المقابل، كشفت مواقف دول الخليج العربي عن انحياز واضح للمشروع الأمريكي، عبر دعم الغزو ضد العراق، ولا تزال حتى اليوم تحرّم الدعاء والمساندة للمقاومة الفلسطينية واللبنانية.
بل ذهب بعض علمائها إلى إصدار فتاوى تكفّر المقاومة، وتبارك أي عدوان يستهدف إيران ومحور المقاومة بكل حركاته، ما يعكس عمق الانقسام في الموقف العربي بين من يرى في المقاومة شرف الأُمَّــة، ومن يراها خطرًا على عروشٍ ارتهنت للخارج.

.jpg)




.jpg)
