مبارك حزام العسالي
منذ اللحظة الأولى لاندلاع العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، لم تكن الصواريخ والطائرات وحدَها هي التي تكشف طبيعة هذه الحرب، بل إن سلسلة التصريحات المتناقضة الصادرة من واشنطن وكَيان الاحتلال أصبحت بحد ذاتها دليلًا واضحًا على حجم الارتباك في إدارة هذه المعركة.
المتابعُ لمسار التصريحات خلال الأيّام الماضية يلاحظ أن الرواية الأمريكية-الإسرائيلية لم تكن مستقرة أَو متماسكة، بل تغيّرت مرات عديدة، سواء في أهداف الحرب أَو نتائجها أَو حتى في تقدير مدتها.
التناقض المتكرّر يكشف أن الحرب التي قُدمت في البداية على أنها عملية خاطفة وسريعة، بدأت تتحول إلى مواجهة أكثر تعقيدًا مما توقعه مخطّطوها.
مبرّرات تتغير باستمرار
في بداية العدوان، قدمت أمريكا الهجوم على أنه ضربة استباقية لمنع تهديد إيراني وشيك.
وبعد وقت قصير تغير الخطاب ليصبح الهدف وقف البرنامج النووي الإيراني.
لكن مع استمرار العمليات العسكرية، ارتفع سقف التصريحات فجأة ليصل إلى الحديث عن إسقاط النظام في إيران أَو دفع الشعب الإيراني إلى تغييره.
هذا التحول السريع في المبرّرات يعكس حقيقة واضحة:
أن الحرب لم تبدأ وفق رؤية استراتيجية واضحة، بل بدا أن أهدافها يعاد تعريفها مع كُـلّ تطور ميداني.
من أربعة أَيَّـام إلى أربعة أسابيع
ومن أبرز مظاهر الارتباك أَيْـضًا ما يتعلق بتقدير مدة الحرب.
ففي اليوم الثاني فقط من العدوان، خرجت تصريحات أمريكية وإسرائيلية تتحدث بثقة عن أن العمليات العسكرية لن تستغرق أكثر من أربعة أَيَّـام إضافية، في إشارة إلى أن الحسم قريب وأن إيران لن تكون قادرة على الصمود طويلًا.
لكن بعد أَيَّـام قليلة فقط، بدأت التصريحات تتغير بشكل واضح، حَيثُ تحدثت مصادر أمريكية عن أن الحرب قد تستمر أربعة أسابيع.
هذا التحول من حرب يُفترض أن تُحسم خلال أَيَّـام إلى حرب قد تمتد لأسابيع يكشف أن الحسابات الأولى كانت بعيدة عن الواقع، وأن العملية التي رُوّج لها كحرب خاطفة بدأت تتحول إلى مواجهة مفتوحة.
تناقض في رواية السيطرة على الأجواء
ولا يقل التناقض وضوحًا في مسألة السيطرة الجوية على إيران.
فقد أعلنت أمريكا و"إسرائيل" قبل أَيَّـام أنهما فرضتا سيطرة كاملة على الأجواء الإيرانية، في محاولة لإظهار تفوق عسكري حاسم.
غير أن البيت الأبيض عاد لاحقًا ليقول إن القوات الأمريكية تقترب من تحقيق السيطرة الكاملة على الأجواء الإيرانية.
وهنا يظهر التناقض بوضوح:
إذا كانت السيطرة قد تحقّقت بالفعل، فكيف أصبحت الآن مُجَـرّد هدف يقتربون من تحقيقه؟
إما أن التصريحات الأولى كانت جزءًا من حرب دعائية تهدف إلى إظهار انتصار سريع، أَو أن الواقع الميداني أكثر تعقيدًا مما تحاول واشنطن و"تل أبيب" الاعتراف به.
عندما تتحول السياسة إلى مشهد رمزي
وفي مشهد لافت خلال الأيّام الماضية، ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محاطًا بعدد من القساوسة الذين وضعوا أيديهم على كتفيه وصلّوا؛ مِن أجلِه.
هذا المشهد لم يكن مُجَـرّد لحظة دينية عابرة، بل رسالة رمزية تحمل أبعادًا سياسية وإعلامية واضحة.
فعادةً ما تلجأ القيادات السياسية إلى مثل هذه الصور عندما تسعى إلى إضفاء بعد أخلاقي أَو روحي على قرار سياسي مثير للجدل، أَو عندما تحتاج إلى تعبئة معنوية في لحظة تتزايد فيها التساؤلات حول مسار الحرب وإظهار الخصم (صمود وقوة) غير متوقعة.
والمفارقة أن الإدارة التي تتحدث عن سيطرة كاملة على الأجواء الإيرانية، وعن حرب سريعة محسومة، تظهر في الوقت ذاته في مشهد صلاة جماعية؛ مِن أجلِ نجاحها، وكأنها تبحث عن دعمٍ فوق الأرض بعدما تعقّد ما يجري على الأرض.
عندما يطلب المعتدي من شعب خصمه إسقاط حكومته
ومن التصريحات اللافتة أَيْـضًا ما صدر عن وزير الحرب "الإسرائيلي" يوآف غالانت، الذي أعرب عن أمله في أن يستغل الشعب الإيراني العملية العسكرية لتحقيق ما سماه "النتيجة المثلى" عبر تغيير النظام.
هذا النوع من الخطاب لا يصدر عادة عن طرف يعتقد أن الحسم العسكري وحده كفيل بتحقيق أهدافه.
فالدول التي تشعر بأنها تسيطر على مسار المعركة لا تحتاج إلى مناشدة شعوب خصومها كي تنفذ ما عجزت هي عن فرضه بالقوة.
ولو كان التفوق العسكري كافيًا لتحقيق الهدف، لما احتاجت "إسرائيل" إلى توجيه مثل هذا النداء عبر وزير دفاعها.
بل إن هذه التصريحات تكشف في جوهرها محاولة واضحة لدفع الشعب الإيراني إلى تدمير بلده من الداخل، حتى يحقّق كَيان الاحتلال، بالتنسيق مع أمريكا، النتيجة التي لم يتمكّن من فرضها عبر القصف والعمليات العسكرية.
خطاب انتصار.. وواقعٌ أكثرُ تعقيدًا
إن كثافةَ التصريحات المتناقضة خلال هذه الحرب تعكس نمطًا واضحًا في إدارتها:
خطاب إعلامي يتحدث باستمرار عن التفوق والحسم، يقابله واقع ميداني لا يسير وفق التوقعات التي رُوّج لها في بداية العدوان.
فالحرب التي قُدمت على أنها عملية سريعة وحاسمة بدأت تتحول تدريجيًّا إلى مواجهة مفتوحة تتسع تداعياتها في المنطقة، وتثير مخاوف حقيقية من انفجار إقليمي أكبر.
إذن.. إن تضارب التصريحات الأمريكية-الإسرائيلية خلال هذه الحرب لا يمكن اعتباره مُجَـرّد ارتباك إعلامي عابر، بل هو مؤشر واضح على فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري.
فعندما تتغير مبرّرات الحرب، وتتبدل تقديرات مدتها من أَيَّـام إلى أسابيع، وتتحول السيطرة الجوية المعلنة إلى مُجَـرّد هدف لم يتحقّق بعد، وعندما يضطر قادة الحرب إلى مطالبة شعب الخصم بإسقاط حكومته، فإن ذلك يكشف حقيقة واحدة:
أن المعركة التي بدأها هذا التحالف على أَسَاس حسابات سريعة لم تسر كما خُطط لها، وأن الميدان ما زال يفرض معادلاته بعيدًا عن الرواية الدعائية.

.jpg)


.jpg)
.png)

.jpg)