عبدالمؤمن محمد جحاف
في وقت تتسارع فيه الأحداث في منطقتنا، لم يعد الحديث عما يسمى "الشرق الأوسط الجديد" مُجَـرّد تنظير سياسي في أروقة مراكز الأبحاث، فقد تحول إلى وعد معلَن على لسان المجرم نتنياهو حين قال: "نتعهد بتغيير الشرق الأوسط، وهذا ما نفعلُه تمامًا".
إعلان صريح عن مرحلة استباحة شاملة تستهدف الأرض، والأمة، والهُوية.. وأمام هذا المشهد، تجد الأُمَّــة نفسها أمام مفترق طرق وجودي؛ فإما الاستسلام لمشروع "إسرائيل الكبرى" أَو العودة إلى الجذور والقيم التي تصنع النصر.
مخطّط يستهدف الجميع
المخطّط الذي يتحَرّك فيه العدوّ اليوم لا يستثني أحدًا.
إنه يستهدف "الأمة جمعاء" في دينها وأرضها.
السكوت والتغاضي اليوم ليس حيادًا، هو تمكين للعدو وتعبيد للطريق أمامه لترسيخ الاستباحة.
إن حالة "التيه والضياع" التي تعيشها الأُمَّــة، وغياب استشعار المسؤولية، هي الثغرة التي ينفذ منها هذا المشروع.
فبينما يعلن العدوُّ بوضوح استباحتَه للأُمَّـة، نجد في المقابل حالةً من غياب المسؤولية، وكأن الحرائق المشتعلة في أطراف البيت لن تصل إلى قلبه.
الولاء والبراء: المبدأ الذي لا يقبل القسمة
في صُلب هذه المعركة، يبرز مفهومُ "الولاء والبراء" ليس كعقيدة دينية مُجَـرّدة فحسب، إنما كاعتبار مبدئي وأخلاقي وقيمي تترتب عليه نتائج كارثية أَو منجية في الدنيا والآخرة.
على مستوى الحكام: يظهر التناقُضُ الصارخ؛ ففي الوقت الذي يسعى فيه العدوُّ لالتهام الأرض، يهرع بعضُ الحكام لموالاة هذا العدوّ، وحتى معادَاة من يجرؤ على مواجهته!
على مستوى القيم: إن موالاة المعتدي هي طعنة في خاصرة الأخلاق الإنسانية قبل أن تكون مخالفة شرعية، وهي التي تمنح العدوّ الشرعية لمواصلة جرائمه.
العودة للقرآن: من التلاوة إلى "الارتباط العملي"
تعاني الأُمَّــة اليوم من افتقار حاد للحكمة والرشد، وهو نتيجة طبيعية لهجر المنهج القرآني في إدارة الصراع.
الحاجة ماسة اليوم لـ ارتباط عملي بالقرآن الكريم، يتجاوز التبرك بالنصوص إلى استلهام الحلول.
إن القرآن الكريم يقدم خارطة طريق للخروج من حالة 'التيه'؛ فهو يشخّص العدوّ بدقة، ويحدّد شروط العزة، ويضع القواعد الذهبية للتعامل مع التهديدات الوجودية.
سلاح المقاطعة: الجبهة التي يملكها الجميع
إذا كانت القرارات السياسية الكبرى قد صودرت، فإن قرار "الاستهلاك" لا يزال بيد الشعوب.
تبرز المقاطعة الشاملة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية كواحدة من أهم أدوات المواجهة:
ضرب الاقتصاد: إضعاف الممول الأول للآلة العسكرية التي تقتل أطفالنا.
الموقف الأخلاقي: رفض أن نكون شركاء (بأموالنا) في ثمن الرصاص الموجه إلى صدورنا.
إحياء الوعي: المقاطعة هي فعل مقاومة يومي يُبقي جذوة القضية مشتعلة في كُـلّ منزل.
بالمحصلةإن الاستمرار في حالة "التغاضي" لن يؤدي إلا إلى تمكين العدوّ من رقاب الجميع.
تغيير "الشرق الأوسط" الذي يحلم به نتنياهو لا يمكن إحباطه إلا بالعودة إلى المبادئ الإيمانية الصُّلبة، واستعادة بُوصلة الولاء والبراء، والتحَرّك الشعبي الواعي الذي يبدأ من أبسط القرارات (كالمقاطعة) وُصُـولًا إلى أعظم المسؤوليات.
الخيار اليوم واضح: إما التمسك بالقرآن ومنهجه العملي، أَو القبول بمكان في "الشرق الأوسط الجديد" الذي يرسمه المجرمون بدمائنا.

.jpg)
.jpg)




