شعفل علي عمير
لم يعد في هذا العصر متسعٌ للوقوف في منطقةٍ رمادية، ولا مجال للشك بين الحق والباطل، فقد انكشفت الحقائق بأوضح صورِها، وسقطت الأقنعة التي أخفت وجوهًا متردّدة أَو مواقف ملتبسة.
وما العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران إلا حلقة كاشفة ومفصلية، جاءت لتضع حدًّا لكل من لا يزال في قلبه ذرة شك، أَو يحاول العيش في منطقةٍ وسطى بين الأبيض والأسود.
لقد باتت المواقفُ اليوم تُقاس بوضوح، ولم يعد الغموض مقبولًا في زمنٍ تتجلى فيه الحقائق بهذا القدر من الجلاء.
الفرز الإلهي في زمن كشف الحقائق
وهنا، ينبغي أن نُذكّر كُـلّ عربي ومسلم بأن سننَ الله في الفرز والتمييز قد أصبحت ماثلة للعيان، وأن ما يمكن تسميته بـ"الفرز الإلهي" لم يعد خافيًا أَو مؤجلًا، بل صار واقعًا يُعاش وتُرى نتائجه في مواقف الدول والشعوب والأفراد.
لقد تمايزت الصفوف، وانكشفت النوايا، وأصبح كُـلّ طرف يُعرّف نفسه من خلال موقعه في هذه المواجهة، لا من خلال شعاراته أَو ادِّعاءاته وإنما من خلال مواقفه الصادقة.
لقد دخل العالم العربي والإسلامي مرحلة المواجهة المباشرة مع أعدائه، ولم يعد الصراع يُدار في الخفاء أَو عبر أدوات غير معلَنة، أصبح صريحًا ومكشوفًا، تتضح فيه معالم الصراع بين قوى تسعى للهيمنة والسيطرة، وأُخرى تدافع عن الكرامة والسيادة.
وفي خضم هذه المواجهة، لم يعد الحياد موقفًا ممكنًا أَو مقبولًا، بل بات انحيازًا ضمنيًّا للطرف المعتدي، حتى وإن تم تغليفه بشعارات الحياد أَو الواقعية السياسية.
طبيعة الصراع مع أعداء الأُمَّــة
إنّ الصراع القائم اليوم يحمل أبعادًا حضارية وقيمية عميقة، تتقاطع فيه مفاهيم الحق والعدل مع مشاريع الهيمنة والاستكبار.
ومن هنا، فإنّ مسؤولية الوعي تصبح مضاعفة؛ إذ لا يكفي إدراك طبيعة الصراع، بل لا بد من ترجمة هذا الإدراك إلى مواقف واضحة تعكس الانحياز للحق والدفاع عنه؛ لأن هذا الانحياز إنما هو ترجمة للموقف الديني والقيّمي.
وفي هذا السياق، تتعاظم مسؤولية الشعوب العربية والإسلامية، التي أصبحت جزءًا أصيلًا من معادلة الصراع ولم تعد معزولة عمّا يجري.
إنّ بوادر الوعي التي بدأت تتشكل تمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة الموقف الجماعي، لكنها تحتاج إلى ترسيخ وتعزيز، حتى لا تبقى مُجَـرّد ردود فعل مؤقتة، بل تتحول إلى وعيٍ راسخ وموقفٍ مستدام.
جبهة التحدي الداخلية
غير أن التحدي يمتدُّ ليشملَ -مع مواجهة الأعداء الخارجيين- مواجهة عوامل الضعف الداخلي، وفي مقدمتها الأصوات التي تسعى إلى بث الفرقة والتشكيك، أَو تبرير الانحياز للباطل تحت ذرائع مختلفة.
أصواتٌ تمثل عِبئًا مضاعفًا؛ لأنها تنخر في الجبهة الداخلية وتضعف تماسكها في لحظةٍ تحتاج فيها الأُمَّــة إلى أعلى درجات الوحدة والوعي.
إنّ المرحلة الراهنة تفرض على الجميع وضوحًا لا لَبس فيه، وثباتًا لا يتزعزع، ووعيًا يتجاوز السطح إلى عُمق الأحداث.
فلم يعد التردّد خيارًا، ولا التراجع مبرّرًا، بل أصبح من الواجب اتِّخاذُ مواقف صريحة تنحاز إلى الحق، وتدافع عن قضايا الأُمَّــة بإرادَة صُلبة وإيمانٍ راسخ لا يتزحزح.







