طاهر حسن جحاف
تعدُّ القدرة على النطق والإبانة من أعظم نعم الله التي استخلف بها الإنسان؛ فهي جسر التعبير عن المشاعر، ووسيلة التواصل مع الوجود.
ولأنها نعمة جليلة، فقد اقترنت بمسؤولية عظيمة؛ فالمرء محاسب في حياته على كُـلّ لفظ يخطّه لسانُه، مصداقًا لقوله تعالى: ((مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)).
وقد حذرنا الرسول الكريم من الكلمة التي يلقيها العبد لا يلقي لها بالًا، فتهوي به في قعر جهنم، مؤكّـدًا أن حصائد الألسنة هي أكثر ما يكبُّ الناس في النار.
أثر الكلمة في صلاح الحال
إن صلاح حال الإنسان في الدنيا والآخرة قد يرتبط بكلمة واحدة أَو "قول سديد" يفتح له أبواب الخير، كما قال عز وجل: ((وَقُولُوا قَوْلًا سديدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)).
وللكلمة الطيبة أثر ممتد يثمر بركة ونماءً، فهي ((كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُـلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)).
الكلمة قوام الحياة والدين
الحياة في جوهرها مبنية على كلمات؛ فالقرآن كلمات، والمعاملات من بيع وشراء كلمات، ومواثيق الزواج والطلاق كلمات.
بل إن الكلمة قد تنقل الإنسان من مراتب الإيمان إلى دركات الفسق، كما حذر القرآن: ((وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ)).
وفي المقابل، قد تكون الكلمة بابًا للتوبة والرجوع، كما في حال آدم عليه السلام: ((فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)).
خطورة الانفلات اللساني
بكلمة واحدة قد تُبنى أُمَّـة، وبكلمة قد يفسد مجتمع بأسره.
لذا، فإن من تمام شكر النعمة ألا يُستخدم اللسان فيما يغضب الخالق، كالاحتيال، والتدليس، والتغرير، والسخرية التي قد تحرم المرء من الهداية.
ومن هنا حرّم الله الغيبة والنميمة؛ لما لهما من أثر فتاك في تمزيق الروابط ونشر الأحقاد، حتى شبه الله فاعلها بآكل لحم أخيه ميتًا.
وفي سياق حماية المجتمع، شدّد التشريع الإسلامي في مسألة الأعراض، فجعل عقوبة "قذف المحصنات" الجلد، وأحاطها باحتياطات شديدة؛ لأن الكلمة قد تهدم أسرة أَو تحفظ كيانها.
كما حذر من شهادة الزور والإيمَـان الكاذبة التي تقلب الحقائق وتضيع الحقوق.
وقفة مع الذات ومواجهة الباطل
إن جردة حساب واحدة لما ينطق به الإنسان في يومه قد تكشف له حجم التجاوزات التي تنبع من السخرية، أَو الكذب، أَو الحسد، أَو الاحتيال، ليجد نفسه غارقًا في الذنوب بفعل هذا اللسان.
وفي واقعنا المعاصر، يبرز خطر استخدام الكلمات في تأييد الباطل أَو خدمة أجندات الأعداء (كاليهود والصهاينة والأمريكان)؛ حَيثُ يتحول البعض إلى أبواق تروج لثقافات مضللة تهدف إلى إضفاء الزيف وصد الناس عن سبيل الله.
إن حرب "الأفواه والكلمات" هي أبرز أدوات أهل الباطل لإطفاء نور الله، وهو ما تجسده قنوات التضليل اليوم.
بناءً على هذه الخطورة، يأتي تحذير السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) من مسألة الانفلات في الكلام، تأكيدًا على ضرورة الانضباط القولي، ليكون اللسان وسيلة بناء لا أدَاة هدم، ومنبع حق لا بوق باطل.

.png)



.png)

.png)