متابعات../
بعد يومين من المواجهات الشرسة التي أعادت رسم ملامح الجبهة اللبنانية الفلسطينية، جاء يوم الإثنين 09 مارس 2026 ليحمل تطوراً نوعياً وغير مسبوق في أداء المقاومة الإسلامية، وإذا كان يوم السبت قد تميز باتساع بنك الأهداف وعمقه، ويوم الأحد بالتماسك الميداني واستنزاف العدو براً، فإن يوم الإثنين كان يوم "قطع الأعصاب" الإسرائيلي بامتياز.
ففي هذا اليوم، لم تعد الضربات تقتصر على القواعد العسكرية التقليدية أو المستوطنات المحذّرة، بل امتدت لتستهدف "القلب النابض" لأنظمة الاتصالات الفضائية الإسرائيلية في وادي إيلا، على بعد 160 كيلومتراً، بصواريخ نوعية دقيقة، فيما تزامن ذلك مع فشل ذريع لمحاولة إنزال جوي ثانية في جرود النبي شيت، واستمرار مسلسل التصدي لمحاولات التوغل البري، لقد تحولت الجبهة مع العدو الإسرائيلي إلى جبهة وجودية تهدد شبكة الاتصالات والقيادة والسيطرة للعدو في العمق.
-
التصدي البري – إدارة معركة الليل والنهار وتحويل الحدود إلى جحيم متواصل
استمرت المقاومة في فرض إيقاعها على طول الشريط الحدودي، محولةً كل محاولة تقدم أو توغل إسرائيلي إلى مأزق حقيقي للقوات الإسرائيلية.
العديسة وعيترون: ساعة الصفر المتجددة: بدأت العمليات قبل منتصف ليل الأحد-الإثنين، حيث تم رصد قوتين إسرائيليتين تتقدمان باتجاه خلة المحافر في العديسة وبلدة عيترون، واستهدفتا فوراً بقذائف المدفعية (البيان 2، 3). هذا الرصد الفوري والاستهداف السريع يؤكد أن المجاهدين يمسكون بكل شبر من الأرض، ولا يتركون للعدو فرصة للتقدم دون دفع الثمن، عند الساعة 00:30 و00:45 تجددت المحاولات وتجدد الرد (البيان 5، 6)، ليصل الذروة عند الساعة 02:15 حيث اشتبكت المقاومة بالأسلحة الرشاشة مع قوة متوغلة في العديسة وأجبرتها على التراجع إلى خلة المحافر (البيان 7) في صورة واضحة لعدو منهك، يحاول التقدم فيجد النار في وجهه مراراً وتكراراً.
· مركبا ورب الثلاثين وحولا: توسع رقعة الاستهداف: لم تقتصر العمليات على محور واحد، بل طالت نقاط تماس متعددة، استهداف قوة من مرتفع العقبة في مركبا (البيان 9)، وقوة من حارة البرسيمة في رب الثلاثين (البيان 11)، وموقعي العبّاد والمنارة مقابل حولا (البيان 12، 13)، ثم وادي هونين (البيان 18)، وموقع البغدادي مقابل ميس الجبل (البيان 19)، يعكس سيطرة نارية كاملة على طول خط التماس، فالعدو لم يعد قادراً على التحرك في أي نقطة حدودية دون أن يكون تحت المجهر والاستهداف.
-
فشل الإنزال الثاني في النبي شيت – تكرار السيناريو وهزيمة "المفهوم" الإسرائيلي
في مشهد يعكس إصراراً أحمق من القيادة الإسرائيلية، تكررت محاولة الإنزال الجوي في منطقة جرود النبي شيت بعد 48 ساعة فقط من الفشل الذريع الأول، عند الساعة 00:10 من فجر الإثنين، رصدت المقاومة تسلل نحو 15 مروحية من الاتجاه السوري، وحلقت في أجواء جنتا، يحفوفا، النبي شيت، عرسال ورأس بعلبك.
المرصاد الدائم: كلمة "أعين المجاهدين وأسلحتهم كانت بالمرصاد" في البيان (البيان 4) هي وصف دقيق لحالة التأهب القصوى، فبدلاً من أن تشكل المروحيات عنصر مفاجأة، وجدت نفسها مكشوفة بالكامل، وتم التصدي للمروحيات والقوة المتسللة التي حاولت التقدم من سهل سرغايا باتجاه الأراضي اللبنانية.
محاولة إنزال ثانية في ذات المنطقة خلال 48 ساعة، رغم الفشل السابق، تعكس حالة من "الاستعجال العملياتي" و "الغباء التكتيكي" الإسرائيلي، وهي محاولة يائسة لإنقاذ ماء الوجه، أو لاختبار قدرات المقاومة بعد أول كمين لكن النتيجة كانت ذاتها: الفشل، وهذا الفشل المتكرر يعني أن مفهوم "الضربة الجوية العميقة" أو "عملية الكوماندوس" الذي راهن عليه العدو قد تحطم تماماً على صخرة الاستعداد الدائم للمقاومة.
-
الضربات الاستراتيجية – استهداف "القلب النابض" وتغيير قواعد اللعبة
كانت عمليات العمق في هذا اليوم هي الأكثر دلالة والأكثر تأثيراً، حيث تجاوزت المقاومة كل السوابق لتستهدف البنية التحتية السيبرانية والاتصالاتية للعدو.
محطة وادي إيلا (البيان 20): قطع شريان الاتصال: هذا الاستهداف هو الأبرز والأخطر في سياق المواجهة، محطة وادي إيلا الفضائية (Emek HaEla Teleport) ليست موقعاً عسكرياً عادياً، هي المركز العصبي لأنظمة الاتصالات الفضائية في الكيان، تربط الأقمار الاصطناعية العسكرية والتجسسية (مثل Amos و Dror) بشبكة الألياف الضوئية الأرضية، وتغذي المعلومات إلى مراكز القيادة والتحكم والعمليات الهجومية والدفاعية، وتدمير هذا المركز يعني إحداث ارتباك هائل في نقل المعلومات، وتعطيل الاتصال بين وحدات الميدان ومراكز القرار، وإضعاف قدرة العدو على جمع المعلومات الاستخبارية وتوجيه الضربات.
إن كشف بعض المصادر أن هذه العملية استندت إلى جمع بيانات وصور وفيديوهات دقيقة للمركز على مدى فترة طويلة يؤكد أن المقاومة تمتلك قدرات استخبارية متطورة، وتخطط لضرباتها بعناية فائقة، ولا تترك شيئاً للصدفة.
إضافة إلى ذلك فإن استهداف هدف على بعد 160 كم هو رسالة بأن كل شبر في فلسطين المحتلة أصبح ضمن مرمى صواريخ المقاومة الدقيقة ولم يعد هناك "عمق آمن".
الصواريخ الدقيقة والردع الجديد: إعلام العدو أقر بأن "حزب الله أطلق صواريخ دقيقة تجاه الأراضي المحتلّة للمرة الأولى منذ بدء الحرب". استخدام صواريخ "أرض-أرض برؤوس دقيقة" واستهداف قاعدة الرملة للمرة الثانية (البيان 21) وقاعدة زائيف للدفاع الجوي في حيفا (البيان 16) ومقر الفرقة 146 في جعتون (البيان 15) يؤكد أن المقاومة تمتلك ترسانة نوعية قادرة على إصابة أهداف محددة بدقة متناهية، مما يرفع كلفة أي عدوان إلى مستويات غير مسبوقة.
كما أن الاستمرار في تحذير واستهداف كريات شمونة ونهاريا (البيان 8، 14، 17) واستهداف مستوطنة مسكاف عام (البيان 24) يؤكد أن معادلة "الضغط المزدوج" مستمرة: استنزاف في الميدان وشلل في المستوطنات.
-
اعترافات العدو – صدمة "الصواريخ الدقيقة" وحظر النشر
لم تكن ردود فعل العدو الإعلامية في هذا اليوم أقل أهمية من العمليات نفسها، فقد انكشف حجم الارتباك والخوف، فقد تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن "سقوط صواريخ في وسط إسرائيل"، وعن "إصابة موقعين حساسين"، وعن أن "حزب الله دمّر منشأة استراتيجية في بيت شيمش" وهذا اعتراف بوصول الضربات إلى القلب.
التكرار الإسرائيلي لعبارة "للمرة الأولى" يعكس حجم المفاجأة، "للمرة الأولى تصل عمليات الإطلاق إلى هذه المناطق أيضاً"، "للمرة الأولى منذ بدء الحرب"، هذا يؤكد أن المقاومة كانت تمتلك أوراقاً قوية لم تلعبها إلا في الوقت المناسب، وأن العدو كان يعلم بوجودها لكنه راهن على عدم استخدامها.
حظر النشر والتعتيم: "صدر أمر حظر نشر حول الحادث"، "ممنوع على أيّ أحد أن يكتب أيّ شيء عن الموضوع"، وهذا التعتيم هو دليل الهزيمة فعندما تمنع الرقابة العسكرية نشر تفاصيل ضربة مؤلمة، فهذا يعني أن الضربة أصابت مكمن الخطر الحقيقي.
اعتراف متأخر: "أخطأنا في التقديرات": التصريح السياسي الإسرائيلي قبل أيام بأننا "أخطأنا في التقديرات تجاه حزب الله ولم نتوقّع أن يطلق صواريخ إلى مناطق بعيدة" يلخص كل شيء، المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأكملها كانت تعيش في وهم أن المقاومة لن تجرؤ على توسيع المعركة. يوم الإثنين 09 آذار 2026 كان جواب المقاومة الحاسم على هذا الوهم.
-
البعد السياسي – خيار المواجهة أو الاستسلام
في هذا السياق الميداني الملتهب، جاءت كلمة النائب محمد رعد لتضع الأمور في نصابها السياسي، فتأكيد رعد أن لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: "مواجهة العدوان أو الاستسلام للشروط التي يسعى الاحتلال إلى فرضها" يقطع الطريق على أي محاولة لخلط الأوراق أو ابتزاز لبنان سياسياً، كما انتقاد رعد لعجز الحكومة عن ردع الاحتلال، وتأكيده أن التذرع بنزع سلاح المقاومة لم يوقف العدوان بل شجعه، هو قراءة سياسية دقيقة للمشهد فالمقاومة هنا تملأ الفراغ الذي تعجز الدولة عن ملئه، وتقدم نموذجاً وطنياً في الدفاع عن السيادة، كما أن إشارة رعد إلى أن الغارات على طهران كانت تمهيداً لتصعيد في لبنان، تؤكد مجدداً وحدة الساحات وترابط الأهداف، وتشرح السياق الاستراتيجي الأوسع لهذه المعركة.
-
ولادة معادلة "الردع السيبراني-الصاروخي"
يوم الإثنين 09 آذار 2026 سيبقى علامة فارقة في تاريخ الصراع، فقد نجحت المقاومة في تحقيق قفزة نوعية على مستويين:
على مستوى الأهداف: الانتقال من استهداف القواعد العسكرية والمستوطنات إلى استهداف البنية التحتية الحيوية للاتصالات والقيادة والسيطرة (وادي إيلا) وهذه ضربة "شلل" بامتياز، تهدف إلى إعماء العدو قبل أن يفكر في أي مغامرة جديدة.
على مستوى الأدوات: الاستخدام العلني والمؤثر للصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، والذي أجبر العدو على الاعتراف بوصول الضربة إلى "الوسط" وإلى "منشآت استراتيجية" يغير المعادلة بشكل جذري فلم يعد النقاش يدور حول "هل تمتلك المقاومة صواريخ دقيقة؟"، بل "كيف سيحمي العدو كل مواقعه الحيوية منها؟".
لقد أثبتت المقاومة أنها لا تكتفي بردع العدو، بل تسعى إلى تعيق إرباكه وشل قدرته على اتخاذ القرار فهي معركة "قطع الأعصاب" التي تسبق أي مواجهة كبرى، وبينما كان العدو يحاول فرض معادلة "حرب المباني" على الحدود، كانت المقاومة تضرب "الغرفة المظلمة" التي تُدار منها الحرب في العمق.
هذا اليوم يؤكد أن المقاومة الإسلامية في لبنان دخلت مرحلة جديدة من التمكين، وأصبحت قادرة على حماية لبنان ليس فقط بالدفاع عن ترابه، بل بتهديد قدرة العدو على إدارة المعركة من أساسها.







