إبراهيم الهمداني
احتلت قضية موسى وفرعون مساحة واسعة في كتاب الله القرآن الكريم، فقد وردت في عدد من السور، وفي مقامات وسياقات مختلفة، وقدمت في كُـلّ موضع جانبًا من القصة، حسب سياق الكلام والهدف المراد.
ونظرًا لأهميّة ومركزية هذه القصة في حياة الأُمَّــة الإسلامية والمجتمعات البشرية عامة، فقد حرص السيد القائد/ عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- في محاضراته الرمضانية 1447، على إعادة تقديم هذه القصة في مضمونها الكلي، وتجميعها من مواضعها وسياقاتها المختلفة، لتقديمها في صورة متكاملة جامعة، ومضمون كامل شامل لجميع الأبعاد والمعاني، الأمر الذي يضع المتلقي أمام مشاهد درامية متنوعة، يتنقل بين أمكنتها، ويعيش تفاصيلها وأحداثها وتحولاتها؛ من الشعور بالقهر والحزن والخوف مع أم موسى على رضيعها، وهي تلقيه في البحر، إلى مشاعر الخوف والحذر والترقب مع أخته وهي تقص أثره، إلى مشاعر الغبطة والمحبة مع زوجة فرعون وهي تتوسله حياة الطفل، إلى مشاعر الفرحة والسعادة العارمة مع أم موسى مرة أُخرى، وقد تحقّق لها أول الوعود الإلهية؛ "إنَّا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين".
وإذا ما تجاوزنا ما تبقى من مراحل طفولته، وبلوغه مبلغ الشباب، "ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين"، وما تلاها من تحولات، وُصُـولًا إلى مدين وشعيب، ثم عودته إلى فرعون بالرسالة الإلهية، فإننا نصل إلى مصداق الوعد الإلهي الثاني: "وجاعلوه من المرسلين".
تدور أحداث المشهد -في المحاضرة الرمضانية السابعة والعشرين- في صالة العرش الخَاصَّة بفرعون، حَيثُ وقف موسى وهارون عليهما السلام في مواجهة فرعون وملئه وجلاوزته وقادته، وقد افتتح موسى -عليه السلام- الحوار مخاطبًا فرعون بقوله: "إنا رسولا رب العالمين"؛ باعتبَار ثنائية الفاعل حامل الرسالة الإلهية (موسى وهارون)، وبقوله: "إنا رسول رب العالمين"؛ باعتبَار واحدية الوظيفة والمهمة (تبليغ الرسالة الإلهية).
وكما هي عادة الطغاة والمستكبرين، لجأ فرعون إلى التقليل من شأن موسى واحتقاره، وتقديم صورته في موضع سخرية وتهكم، وكيل التهم الباطلة التي تسلب موسى -عليه السلام- أدنى رشد في التصرف وتولي المسؤولية العادية، ناهيك عن حمل الرسالة الإلهية.
بدأ فرعون حملته الاستعراضية على موسى باحتقاره والتقليل من قيمته الاعتبارية كإنسان، حَيثُ يحكي القرآن الكريم على لسان فرعون قوله: "قال ألم نربك فينا وليدًا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين" 18، 19 سورة الشعراء، وهو منطق مشحون بالغطرسة والكبر، والاحتقار المطلق لموسى -عليه السلام- وتعيير وتمنّن عليه، كونه معدوم القيمة خارج الوجود الفرعوني، حسب مدلولات الخطاب الاستعلائي، حَيثُ يهيمن فرعون بضمير (نا) المتكلم المعظم نفسه، في دلالات قوله: "نربك فينا"، حَيثُ قدم (نا) الفاعل المعظم نفسه، أَو المتفاخر بجمعه وملئه، على الفعل المضارع، دلالة على استمرار فعل التربية والرعاية، وألحق (نا) المتكلم المعظم نفسه، فرعون وملأه، بـ"في" المكانية/ قصر فرعون، دلالة على الملكية المطلقة الملحقة بملك فرعون، كما كان موسى عليه السلام ملحقًا بذلك المكان المستعلي، بوصفه أحد كائناته الهامشية، (وليدًا) صغيرًا عاجزًا ضعيفًا، محتاجًا لرعاية وتربية وكفالة فرعون داخل دائرته الاستعلائية، حَيثُ استمر مقام موسى عليه السلام (ولبثت فينا)، محتاجًا إلينا عالة علينا، "من عمرك سنين".
وحسب منطق الاستكبار الفرعوني، ليس من حق موسى عليه السلام أن يعيش في كنف فرعون ثم يأتي ليقول إنه رسول رب العالمين، ليهدم ألوهية فرعون المزعومة في طرفة عين، من داخل قصره ومملكته، فهذا في عرف فرعون نكران للجميل وكفر بإحسان فرعون ورعايته.
ويضيف فرعون في سياق احتجاجه على موسى عليه السلام، محاولًا إثبات عدم أهليته لحمل الرسالة الإلهية، مذكرًا موسى -عليه السلام- بقضية القتل، معرّضًا بذلك كما حكى القرآن الكريم قوله: "وفعلتَ فعلتَك التي فعلتَ وأنتَ من الكافرين"، بتكرار كلمة (فعلتَ) ثلاث مرات في سياق مبهم، دلالة على شناعة وقبح وعظيم ذلك الفعل/ القتل، رغم أنه حصل دون قصد، وهو كما قال سماحة السيد القائد -يحفظه الله-: "خطأ تكتيكي".
ولم يكتف فرعون بذلك المستوى التهكمي، بل وجه إلى موسى تهمة الكفر بصنيعه وإحسانه.
وما أجمل ما تحدث به السيد القائد -يحفظه الله- في معرض رده على تهم فرعون الموجهة لموسى عليه السلام؛ فأما تمنّن فرعون على موسى -عليه السلام- بأنه تعهده بالرعاية والتربية، فلا فضل له في ذلك، لأنه إنما كان؛ بسَببِ طغيان فرعون وتنكيله ببني إسرائيل، يقول تعالى حاكيًا عن موسى مخاطبًا فرعون: "وتلك نعمةٌ تَمُنًّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدَتَ بني إسرائيل".
كما أن الذي رباه هي أمه وعائلته من بني إسرائيل، بأمر فرعون لهم، في إطار استعبادهم، ولذلك لا فضل لفرعون عليه.
وأما احتقاره لموسى بأنه كان فيهم وليدًا ولبث فيهم من عمره سنين، وأنه كان ضعيفًا محتاجًا للرعاية والعطف، ففرعون نفسه عاش نفس تلك المرحلة من الضعف والحاجة للرعاية والاهتمام، ولكنه حين كبر ووصل إلى الملك أنكر فضل الله عليه وجحد نعمته، وادعى الألوهية واستعبد الناس، في أقبح وأشنع نكران لجميل وحق الله عليه.
وأما إنكار فرعون على موسى قتله الرجل المصري، فلا وجه فيه ولا حجّـة؛ كون المصري ذاك كان قاتلًا، وكان القتل خطأ غير مقصود، ولم يكن فرعون أهلًا لأن ينكر ذلك ويشنّعه، وهو الذي قتل وذبح واستباح مئات الآلاف من بني إسرائيل، خَاصَّة من فئة الأطفال المواليد، في أقبح وأحط وأبشع جريمة في التاريخ، لا يشبهها إلا ما يفعله كَيان الاحتلال الإسرائيلي الغاصب بحق أطفال غزة خَاصَّة، وفلسطين ولبنان والعراق واليمن وإيران عُمُـومًا.



.jpg)



