أحمد الضبيبي
بين أنامل الحرفي الذي لا يخطئ مكمن العُقدة، وفوهة السلاح التي لا تعرف الزلل، تتبدى اليوم ملامح عبقرية إيرانية استثنائية، فكما تحاك زخارف السجاد الفارسي بأناةٍ أُسطورية وإتقان يحبس الأنفاس، تحاك الضربات العسكرية الإيرانية الراهنة بدقة متناهية، فلا خطأ في الحساب يشوب المشهد، ولا عيب في النسيج يخدش هيبة الرد، ونحن أمام هندسة استراتيجية لفن الحرب في أبهى تجلياته.
لقد نجحت الجمهورية الإسلامية إيران في الحفاظ على ترسانتها الصاروخية عبر استراتيجية "الخفاء والظهور" المزدوجة، حَيثُ عمدت إلى تمويه سيادي لمنصات الإطلاق الحقيقية لتبدو كأشباح لا تطالها الاستهدافات، بينما نشرت في المقابل شراكًا من الصواريخ والمنصات الوهمية لتكون طعمًا استراتيجيًّا يستنزف بنك أهداف العدوّ، ويجعله يطارد سرابًا في مهب الريح.
واستنادًا إلى إرث من الخبرات المتراكمة انتهجت الاستراتيجية العسكرية الإيرانية مبدأ الامتصاص ثم الانقضاض، فبعد استيعاب الضربة الأولى، بدأت السماء تمطر حميمًا بموجات صاروخية منسقة من عشرة إلى عشرون صاروخًا تنطلق من بقع جغرافية متباينة، ممطرةً كيان العدوّ الصهيوني والقواعد الأمريكية في المنطقة، مما أربك الطيران المعادي وأجبره على مغامرات غير محسومة في الأجواء الإيرانية، حَيثُ ينتظرها خطر السقوط المذل تحت وطأة الدفاعات الجوية المتربصة.
وفي ذروة الغرور، عمد القادة والضباط الأمريكيون المتواجدين في القواعد العسكرية في دول الخليج إلى التحصن خلف الأبراج الزجاجية الشاهقة في عواصم المنطقة، ظنًا منهم أن الارتفاع يمنحهم الأمان من غضبة الميدان، لكن الرصد الاستخباراتي النافذ للحرس الثوري كان لهم بالمرصاد، حَيثُ انقضت المسيرات الانتحارية بجنون هادف ودقة تدميرية مذهلة، محولة تلك الصروح الزجاجية إلى شظايا تعكس حقيقة الوهن الاستخباراتي الغربي أمام اليقظة الإيرانية التي لا تخطئ هدفها.
أن ما يحبس أنفاس العالم هو الأوراق المستورة التي لم تدخل حلبة الصراع بعد؛ إذ تمسك طهران بزمام المبادرة عبر مخزون مرعب من الصواريخ الفرط صوتية التي تسبق صرختها، وصواريخ الكروز البحرية المصممة لابتلاع حاملات الطائرات وتحويلها إلى مقابر حديدية في أعماق المحيطات.
يضاف إلى ذلك الأسطول البحري الإيراني الذي ما زال مرابطًا بانتظار إشارة البدء، كقوة كامنة لم تفرغ جعبتها بعد.
وعلى مقربة من المشهد، يقف محور المقاومة كبركان لم يخرج كُـلّ حممه، فاليوم يراقب العالم اليمن، ذلك المارد الذي أركع "حارس الازدهار" في ملحمة الـ 51 يومًا وهو يمسك بمفاتيح البحار دون أن يمس ناقلات النفط الخام الأمريكي أَو يغلق باب المندب تمامًا بعد.
وفي الشمال، يتهيأ حزب الله لتحويل المستوطنات إلى أطلال ركام، بينما بدأت الفصائل العراقية تدشين مرحلة تصفية الحساب في إربيل إيذانًا ببدء مرحلة جديدة.
أراد العدوّ الأمريكي نصرًا سريعًا، يرمِّمُ به هيبتَه المتآكلة، فإذا به يسقط في فخ حرب الاستنزاف المفتوحة التي تجيد إيران إدارتها باقتدار.
وقد أعلنت اليوم، القوات المسلحة الإيرانية كسر كافة الخطوط الحمراء، والدرس الذي سيتلقاه الأمريكي والإسرائيلي سيكون صدمة تاريخية لم يشهدها العالم من قبل وسيفاجأ الجميع، بل سينهلون من كأس المفاجأة حَــدّ الذهول، حين تجر قوى الاستكبار أذيال الخيبة، وتغادر المنطقة صاغرة إلى الأبد.. بإذن الله وقوة الحق.






.png)
