مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

طلال الغادر
في زمن كثرت فيه الفتن وتشعّبت السبل، واختلطت المفاهيم، وتعددت الولاءات، يبقى سؤال المصير يطرق أبواب العقول: لمن نولّي؟ وعلى من نعادي؟

ليست الأسئلة عابرة، ولا الإجابات سهلة.

إنها قضية "الموالاة والمعاداة"، التي جعلها الله سبحانه وتعالى ميزان قبول الأعمال، وجعلها النبي (صلوات الله عليه وآله وسلم) من أوثق عرى الإيمان.

إنها البُوصلة التي إن ضاعت، ضَلَّ الإنسانُ الطريقَ، وهو يحسب أنه على هدى.

لماذا أصبحت "خطر العصر"؟

لأن العدوَّ اليوم لا يحاربنا بالجيوش فقط، بل بالحرب الناعمة، التي تستهدف إعادة تشكيل وعينا، وسلب هُويتنا، وقلب موازيننا.

يقول السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه في محاضرة الموالاة والمعادَاة:

"في الزمن هذا انتشرت الوسائل الكثيرة التي تقدر على تحويل الناس، وكلها تتركز إلى خلق ولاء وعداء... هذا كُـلّ ما تدور حوله هذه الوسائل الإعلامية والتربوية والتثقيفية، ومن أجل هذه النقطة تبذل ملايين ملايين الدولارات".

ما هي الأسباب والعوامل التي تجعل الإنسان يوالى أعداء الله؟

1. الجهل بالمرجعية الصحيحة: عندما لا يعلم الإنسان أن الله جعل الموالاة له ولأوليائه أَسَاس الدين، وأن من يتولى اليهود والنصارى فإنه منهم، يصبح فريسة سهلة للتضليل.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أولياء بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة: 51).

2. التأثر بالإعلام الموجَّه: قنوات فضائية، مواقع تواصل، مناهج دراسية، كلها تعمل على "تهيئة النفسية" لقبول ثقافة العدوّ ونبذ ثقافة الحق.

تبدأ بترديدِ شعارات براقة (حرية، ديمقراطية، حقوق إنسان) وتنتهي بجعل المجرم بطلًا، والمصلح إرهابيًّا.

3. الفراغ العقدي والروحي: عندما تخلو النفسُ من تعظيم أمر الله والغيرة على دينه، يسهل عليها الركون إلى الدنيا، والخوف على المصالح، فيرضى بالظلم ويوالى الظالمين تحت ذريعة "نخشى أن تصيبنا دائرة" كما وصف القرآن.

4. القعود عن نصرة الحق: قال الإمام علي (علية السلام): "الراضي بعمل قوم كالداخل فيه معهم"، وقال أيضًا: "إنما عقر ناقةَ ثمود رجلٌ واحد، فعمهم الله بالعقوبة لما رضوا به وسنوا سنته".

السكوت عن الباطل، وعدم اتِّخاذ موقف، يجر الإنسان إلى أن يصبح مثل أهله.

الآثار والنتائج السلبية.. جحيم في الدنيا قبل الآخرة

إن خطر الأفكار الضالة لا يقتصر على عقاب أخروي مؤجل، بل يبدأ جحيمه في الدنيا، فيسلب الإنسان أغلى ما يملك: دينه وهُويته وإنسانيته.

أولًا: في علاقتك بالله.. أعمالك تتحول إلى هباء!

تخيل أنك تصلي الليل والنهار، وتتصدق بمالك، وتؤدي فريضة الحج، ثم تفاجأ يوم القيامة أن كُـلّ ذلك لم يُرفع إلى الله منه مثقال ذرة! هذا ما يحذر منه الحديث الشريف الذي رواه الإمام جعفر الصادق عن آبائه عن رسول الله (صلوات الله عليه وآله):

"لو أن عبدًا صام نهاره وقام ليله، وأنفق ماله عِلقًا عِلقًا في سبيل الله، وعبَدَ اللهَ بين الركن والمقام حتى يكونَ آخر ذلك أن يُذبَحَ بين الركن والمقام مظلومًا، لما رُفِعَ إلى الله من عمله مثقالُ ذرة، حتى يُظهِرَ الموالاةَ لأولياء الله والمعادَاة لأعداء الله".

هذه هي الصدمة! الولاء الخاطئ يحبط العمل.

قد تكون مصليًا صائمًا، لكن ولاءك القلبي وتوجّـهك الفكري مع أعداء الله، يجعل عملَك في ميزانهم لا في ميزان الله.

ثانيًا: في الدنيا.. تتحول إلى أدَاة في معركة لا تخدمُك

1. تفقد البُوصلة الأخلاقية:

تصبح ترى الحق باطلًا والباطل حقًّا.

قد تهاجم إخوانَك في الدين وهم يدافعون عن قضية عادلة، وتدافع عن قتَلة الأطفال وهم يزعمون أنهم "يحاربون الإرهاب".

قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إذَا مِّثْلُهُمْ} (النساء: 140).

مجالسة الباطل والرضا به تجعلك مثله.

2. انقسام النفس والمجتمع:

تعيش في تناقض دائم.

تدّعي حب الله وأنت توالي من يحارب دينه.

وتدّعي حب الوطن وأنت تتبنى أجندات أعدائه.

هذا الانقسام يمزق المجتمعات ويجعلها فريسة سهلة.

ثالثًا: أخطر النتائج.. خدمة عدوك دون أن تشعر!

هذه هي القمة في المأساة: أن تظل طول عمرك تحسب أنك على صواب، وتمارس حياتك بشكل عادي، ثم تكتشف أنك كنت جنديًّا مجندًا في جيش أعداء الله!

كيف يحدث هذا؟ يجيب السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه شارحًا:

"في الزمن هذا... أي فساد يحصل حتى من قبلك أنت شخصيًّا داخل بيتك قد أصبح واقعًا يخدم كَيان الاحتلال وأمريكا، يخدم اليهود والنصارى... عندما تفسد ابنك ستُخرج ابنك جندي إسرائيلي يخدم كَيان الاحتلال... زوجتك، بنتك تتحول نفس الشيء بإفسادها إلى امرأة تخدم بفسادها النفسي إسرائيل".

بل ويتجاوز الأمر إلى أبعد من ذلك:

"الإنسان عندما يفسد، أَو يترك أولاده يفسدون، أَو يُفسِد آخرين، يعتبر مجند لخدمة أمريكا وكَيان الاحتلال، بدليل أنهم هم حرصوا جِـدًّا على أن يصل ما يريدونه، ويصل إفسادهم إلى كُـلّ بيت...

فهذه هي فكرة الشيطان".

أنت حين تتابع القنوات التي تروج للانحلال الخُلُقي، أنت تخدم مشروعهم.

حين تستهينُ بقضية فلسطين وتشغل الناس بصراعات هامشية، أنت تخدم مشروعهم.

حين تتبنى رواياتهم الإعلامية عن "الإرهاب" وتصدقها، أنت تخدم مشروعهم.

حين تسبّ إخوانك المسلمين وتوالى أعداءهم، أنت تخدم مشروعهم.

الخلاصة: من أنت؟ مع من أنت؟

إن قضيةَ الولاء والعداء ليست هامشًا في ديننا، بل هي صُلب الدين، وهي التي تحدّد لله من أنت.

الولاء ليس مُجَـرّد حب في القلب، بل هو "المِعية في الموقف، المعية في الرأي، المعية في التوجّـه، المعية في النظرة".

 إن كنت مع الله ورسوله والمؤمنين، فولاؤك لهم، وعداؤك على أعدائهم.

 وإن كنت مع أولياء الشيطان، فمهما صليت وصمت، فإنك منهم، ومصيرك مصيرهم.

الخطر لا يكمن فقط في أن نكون مع العدوّ، بل في أن نكون معه ونحن نجهل أنه عدونا، أَو نظن أننا نصنع خيرًا.

إنه خطر انسلاخ الهُوية، وخطر أن نموت ونحن نظن أننا شهداء، فإذا نحن في مقعد صدق عند مليك مقتدر..

أَو في قاع جهنم نعوذ بالله.

فلتراجع نفسك الآن: لمن ولاؤك؟ وعلى من عداؤك؟

قبل أن تلقى اللهَ بعمل لا وزن له.

 


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر