د. فاضل الشرقي
عضو المكتب السياسي لأنصار الله
مقالة نقدية في الشخصية والسلوك وصنع القرار
لا تهدفُ هذه المقالةُ إلى تشخيص نفسي عن بُعد، بقدر ما هي مقاربة أنثروبولوجية تحلل كيفية تفاعل الخلفية الثقافية والاجتماعية والشخصية للرئيس دونالد ترامب مع سياقات صنع القرار السياسي.
فالأنثروبولوجيا السياسية تهتم بدراسة القيادة كأداء وطقوس وسلوكيات متكرّرة، وليس كـ"طبيعة" ثابتة يمكن اختزالها في تشخيص سريري.
ما يثير اهتمام الباحثين ليس ما هو عليه ترامب في جوهره، بل كيف تترجم أنماط سلوكه وتواصله وعلاقاته مع الآخرين إلى قرارات سياسية لها تداعيات حقيقية على المنطقة والعالم.
وَإذَا كانت الأوساط الأكاديمية والإعلامية قد استخدمت مصطلحات مثل "النرجسية" و"جنون العظمة" و"الهوس العظيم" لوصف شخصيته، فإن هذه المصطلحات تُستخدم هنا كأدوات تحليلية مستعارة من النقد السياسي والأنثروبولوجي، بينما يعتبرها البعض تشخيصات طبية.
سيتبع هذه المقالة منهجًا نقديًّا يقوم على تحليل الوقائع والتصريحات والسلوكيات الموثقة، مع الاستشهاد بمصادرَ متعددة؛ سعيًا لفهم كيف يمكن لشخصية الرئيس الأمريكي أن تؤثر - لأول مرة بهذا الحجم في التاريخ المعاصر - على مسار الحروب والتحالفات والأزمات الدولية.
أولًا: ترامب بين الأنثروبولوجيا السياسية ومفاهيم "النرجسية" و"جنون العظمة"
في الأنثروبولوجيا السياسية، لا يُنظر إلى "الشخصية" على أنها جوهر ثابت، بقدر ما هي مجموعة من الأدوار والسلوكيات التي تتشكل وتتأثر بالسياق.
ومع ذلك، يلاحظ المحللون أن شخصية ترامب تُظهر نمطًا متكرّرا من السمات التي يمكن وصفها - وفقًا للمصطلحات السائدة في التحليل السياسي وليس التشخيص السريري - بما يلي:
أ. الشعور المفرط بالأهميّة والعظمة:
يرى ترامب نفسَه كـ"شخصية فريدة في العالم" قادرة على "السيطرة على أي شيء ترغبُ فيه، دون أية معارضة"، على حَــدّ تعبير مقال للدبلوماسي القطري محمد علي المالكي نُشِرَ في صحيفة الشرق القطرية.
وتُظهر اجتماعاتُه الوزارية نمطًا من الطقوس، حَيثُ يطلب من وزرائه التعبيرَ عن ولائهم وإطرائه علنًا، وهو ما يشبه - كما لاحظت مجلةThe American Prospect - مشهدًا من مسرحية شكسبير "الملك لير".
ب. التقلب والاندفاعية
وُصفت قرارات ترامب بأنها "نارية" و"غير مدروسة" و"متهورة" ليس فقط من خصومه، بل من محللين سياسيين غربيين أَيْـضًا.
يتجلى ذلك في انسحابه من الاتّفاق النووي الإيراني (2018) ثم عودته للتفاوض، وتهديده بضرب إيران ثم إعلانه وقف إطلاق النار، وتغير مواقفه من روسيا والصين وأُورُوبا في فترات قصيرة، وخلال فترة ولايته الأولى (2017-2021)، انسحبت إدارته من عدة اتّفاقيات ومنظمات دولية بارزة شملت الانسحابات الرئيسية:
اتّفاقية باريس للمناخ (2017-2020) معتبرًا أنها تضر بالاقتصاد الأمريكي.
والاتّفاق النووي الإيراني (2018) "خطة العمل الشاملة المشتركة" وأعاد فرض العقوبات على إيران.
واتّفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) (2017)، حَيثُ وقَّع على الانسحاب في أول أَيَّـام توليه المنصب.
وكذلك معاهدة القوى النووية متوسطة المدى (INF) (2019) تم تعليق والانسحاب من المعاهدة مع روسيا.
كما شملت هذه القرارات بعضَ كِيانات الأمم المتحدّدة الأبرز والأهم، ومنها: مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (2018) احتجاجًا على ما اعتبره "انحيازًا ضد إسرائيل"، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) (2017)، وصندوق الأمم المتحدة للسكان (2017)، حَيثُ تم وقفُ التمويل والانسحاب.
أما في ولايته الثانية والأخيرة وقّع في 7 يناير/كانون الثاني (2026) أمرًا تنفيذيًّا يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 31 كِيانًا تابعًا للأمم المتحدة و35 منظمة غير تابعة لها، مؤكّـدًا أنها "تعملُ بما يتعارَضُ مع المصالح الوطنية الأمريكية".
وهكذا لا يتوانى عن فرض عقوبات على كُـلِّ من يعارضه أَو يعارض شعاره المزعوم (أمريكا أولًا) الذي كشفت الأحداث أنه (إسرائيل أولًا).
ملاحظة: تجدر الإشارة إلى أن إدارة بايدن عادت إلى اتّفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية بعد خروج ترامب في 2021، قبل أن تعلن إدارة ترامب الجديدة عن خطوات انسحاب جديدة في 2026.
ج. صعوبة تحمُّل النقد وروح الانتقام
يظهر ذلك بوضوح في تعامله مع وسائل الإعلام التي تنتقده، وهجومه اللاذع على الصحفيين والمراسلين عندما لا تروقُ له أسئلتهم، وفي تصريحاته عن جائزة "نوبل للسلام" التي لم يحصل عليها، حَيثُ ربط، وفقًا لتقريرThe American Prospect، رغبتَه في الاستيلاء على غرينلاند بإحباطه من عدم منحه الجائزة.
هذه السمات، التي يصفها البعضُ بأنها "نرجسية مَرضية" أَو "هَوس عظمة"، لا تشكل في حَــدّ ذاتها تفسيرًا كافيًا للسياسة الخارجية الأمريكية.
لكنها تصبح ذاتِ دلالة عندما تترجم إلى قرارات سياسية كبرى، كما سنرى.
ثانيًا: حرب إيران وأزمة مضيق هرمز: نموذج للقرار "غير المحسوب"
تعد الحرب على إيران في فبراير/مارس 2026 نموذجًا صارخًا على ما يصفه المنتقدون بـ"التهور" و"الاندفاعية" في صنع القرار.
فوفقًا لتسريبات إعلامية وروايات دبلوماسية، كان هناك جهود مبذولة ومساعٍ حميدة عملت بشكل محموم على منع اندلاع الحرب، وكانت المفاوضاتُ "تقتربُ من حَـلٍّ مُرضٍ" وفقًا لوزير الخارجية العُماني.
لكن ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصرّا على الحرب، بدوافع وصفها الدبلوماسي القطري محمد علي المالكي بأنهاتعكس "روح العدوان والنرجسية والغرور، وقبل كُـلّ شيء، هوس العظمة" و"الانتقامية الدينية الجامحة".
• ما حدث بعد ذلك "ورطة هرمز" العالمية:
لم تكن "ورطة هرمز" مُجَـرّد تسمية فضفاضة.
فخلال أسابيع قليلة من بدء الحرب، حدث ما يلي:
- إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي خمس إمدَادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
- فرض رسوم خدمات وأمن وحماية على ناقلات النفط بمقدار دولار واحد لكل برميل.
- إعلان ترامب حصارًا بحريًّا أمريكيًّا على إيران في 12 إبريل 2026، مع نشر أكثر من 10،000 جندي أمريكي لتنفيذه.
- ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًّا، مع وصول سعر الغاز في أمريكا إلى 4.11 دولار للغالون.
- تصاعد التوتر مع حلفاء أمريكا الأُورُوبيين الذين تأثروا اقتصاديًّا بالحصار.
وحتى مع محاولات وقف إطلاق النار وفتح قنوات التفاوض ظل موقف ترامب متقلبًا: ففي الوقت الذي أعلن فيه تمديدَ الهُدنة، رفض مقترحًا إيرانيًّا على مراحل ثلاث.
وهو ما يعني إبقاء المضيق مغلقًا؛ الأمر الذي يطيل أمد ارتفاع أسعار الطاقة.
وهذا بالضبط هو جوهر "الورطة": حَيثُ لا حَـلَّ يبدو مُرضيًا حتى الآن.
الخلاصة هنا: حرب بدأت بناءً على "اندفاعية" شخصية، وفقًا لتصريحات الدبلوماسيين والإعلاميين، تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية لا توجد لها مخرجات سهلة.
وهو ما اعتبره البعض جنونًا بلا حدود.
ثالثًا: التوسعية الإقليمية وهوس السيطرة: غزة، غرينلاند، كندا، بنما، خليج المكسيك، فنزويلا، كوبا
من أكثر السمات إثارةً للجدل في شخصية ترامب، من منظور أنثروبولوجي، هي رغبتُه المعلَنة في توسيع الأراضي الأمريكية - وهي رغبةٌ تذكِّرُ بفترة الإمبريالية الأمريكية في القرن التاسع عشر أكثر من فترة الرئاسة في القرن الحادي والعشرين.
ففي يناير 2025، حتى قبل أن يبدأَ ولايته الثانية رسميًّا، أطلق سلسلةً من التصريحات التوسعية التي أثارت موجة من الرفض الدولي، منها:
1. تصريحاته في أوائل عام 2025 التي عبَّر فيها عن رغبته في السيطرة على قطاع غزة، كـ "صفقة عقارية" واصفًا إياه بـ"القطعة العقارية المذهلة" التي يمكن تحويلُها إلى منطقة حرة، وسط دعوات لتهجير السكان، مما أثار انتقادات فلسطينية وعربية ودولية واسعة بسبب "التطهير العِرقي"، مُشيرًا إلى إمْكَانية تحويله إلى "ريفيرا الشرق الأوسط".
وجدّد دعواته بضرورة تهجير سكان غزة، مقترحًا على مصر والأردن استقبال الفلسطينيين المهجرين من القطاع.
2. في يناير 2025 صرّح بأطماعه التوسعية في الاستيلاء على جزيرة "غرينلاند " لأسباب الأمن القومي حسب تعبيره، وهدّد باستخدام القوة العسكرية أَو الاقتصادية، في حين ردت رئيسة وزراء الدنمارك بقولها: "ليست للبيع ولن تكون أبدًا"؛ فيما قال وزير الخارجية الفرنسي: "لن تسمح أُورُوبا لأية دولة بمهاجمة حدودها السيادية".
3. في مايو 2025م عبّر عن رغبته في جعل كندا "الولاية الـ 51"، وصرَّح أن "الأمرَ الوحيدَ المنطقي بالنسبة لكندا هو أن تصبحَ ولايتنا الواحدة والخمسين العزيزة"، وهدّد باستخدام الضغوط الاقتصادية وبفرض رسوم جمركية بنسبة 100 %.
فيما ردّ عليه رئيسُ الوزراء (ترودو) قبيل استقالته بقوله: "ليس هناك فرصة بحجم كرة الثلج في الجحيم أن تصبح كندا جُزءًا من الولايات المتحدة".
الجديرُ ذكرُه أن مساحةَ كندا أكبرُ من مساحة أمريكا، حَيثُ تعد ثاني أكبر دولة في العالم من حَيثُ المساحة الإجمالية بحوالي 9.98 مليون كم²، تليها الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الثالثة أَو الرابعة بمساحة تقارب 9.5 إلى 9.8 مليون كم².
4. أعلن ترمب في خطابات عدة، منها بعد توليه الرئاسة في يناير 2025، عزمَه إعادةَ السيطرة على قناة بنما إذَا لم تخفّضْ رسوم العبور للسفن الأمريكية، معتبرًا أن "الصين تديرُ القناة" وأن إدارته ستعمل على تغيير الوضع، وأشَارَ إلى وجود "خداع" في إدارة القناة بعد تسليمها عام 1999.
وقد رفض رئيسُ بنما خوسيه راؤول مولينو هذه التهديدات، مؤكّـدًا أن "سيادةَ بلاده غير قابلة للتفاوض" وأن القناة بنمية، مُشيرًا إلى "احترام" بنما للمعاهدات الدولية، وقال: "كل متر مربع من قناة بنما ينتمي لبنما وسيظل كذلك"؛ ثم أبدت بنما انفتاحًا على تدقيق إدارة الموانئ الصينية على جانبَي القناة لتبديد مخاوف واشنطن.
5. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أوائل عام 2025 عن تغيير اسم "خليج المكسيك" رسميًّا إلى "خليج أمريكا" (Gulf of America)، معتبرًا أن الاسم الجديد له "وقع جميل".
وفي 20 يناير 2025 (يوم التنصيب) وقّع أمرًا تنفيذيًّا يوجّه الوكالات الفيدرالية باستخدام اسم "خليج أمريكا"، وهو ما تم بالفعل وجرى تعديلُه في أصول الخرائط.
من جهتها سخرت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم من الاقتراح واقترحت تسمية أمريكا الشمالية بـ"أمريكا المكسيكية".
وقال ترامب إنه كان يريد تسميته "خليج ترامب" لكنه عدل عن ذلك، قائلًا: "كنت أفكر في تسميته خليج ترامب، ثم قلت، كما تعلمون، هذا لن يلقى استحسانًا".
6. أعلن دونالد ترمب في أوائل عام 2025 عن رغبته في إبرام صفقات لاستغلال المعادن الأرضية النادرة في أوكرانيا، معتبرًا ذلك شرطًا لضمان الدعم المالي والعسكري الأمريكي، ومحاولة لاسترداد جزء من الـ 300 مليار دولار التي قدمتها واشنطن، وقال: على أوكرانيا تزويد الولايات المتحدة بالمعادن النادرة، كنوع من "رد الدَّين" مقابل المساعدات المالية والعسكرية الكبيرة التي تلقتها كييف خلال حربها ضد روسيا.
7. في مستهل رئاسته الثانية مطلع العام 2025م لم يخف ترامب سعيَه للسيطرة على النفط الفنزويلي وتغيير نظام الحكم بالقوة العسكرية ما لم تبرم كراكاس صفقة مُرضيةً مع واشنطن، ثم فرض حصارًا بحريًّا شاملًا على فنزويلا لمنع ناقلات النفط من دخولها أَو الخروج منها، والقيام بالاستيلاء عليها ومصادرتها، ثم فرض حصارًا جويًّا، مصنفًا نظامَ مادورو "منظمة إرهابية".
وقال إن هذه الإجراءات تهدفُ إلى استعادة ما وصفه بـ "النفط والأصول المسروقة"، حَيثُ باشرت واشنطن التسويقَ للنفط الفنزويلي وإيداع عوائده في حسابات أمريكية، وفي 3 يناير 2026 أعلن ترامب عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في عملية عسكرية ونقلهما على متن مروحية إلى السفينة الحربية "يو إس إس إيو جيما" تمهيدًا لنقلهما إلى الأراضي الأميركية.
معلنًا أن أمريكا ستشرفُ على إدارة نفط فنزويلا مؤقتًا لبيع ما بين 30 إلى 50 مليون برميل وتسويقها، وأن عوائد النفط الفنزويلي ستخضع لسيطرته الشخصية كرئيس لضمان استخدامها لصالح الشعبَين الفنزويلي والأمريكي، وأنه سيعمل على إعادة هيكلة قطاع النفط الفنزويلي لضمان حماية عوائده، وحِرمان خصوم واشنطن (الصين وروسيا) من النفوذ.
مُشيرًا إلى ما وصفه بـمبدأ مونرو (Monroe Doctrine)، وأن "الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لن يتم التشكيك فيها مرة أُخرى".
8. يتهدّد ترامب بالسيطرة على كوبا وتغيير نظام الحكم فيها، وفي أوائل 2026 صرخ بأن كوبا "الدولة التالية" في مسلسل العمليات الأمريكية في أمريكا اللاتينية.
وقال: "بإمْكَاني تحريرها أَو ضمها، أعتقد أنني أستطيع أن أفعل بها ما أشاء".
وفي 2 مايو 2026 صرّح بأن البحرية الأمريكية ستهاجم كوبا في طريق عودتها من إيران.
9. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (2025-2029) بوضوح عن رغبته في السيطرة على النفط الإيراني، معتبرًا إياه وسيلةً لتعويض التكاليف العسكرية وتحقيق "ثروة طائلة".
وتضمَّنت تصريحاتِه تهديداتٍ بتدمير البنية التحتية الإيرانية ومحطات الطاقة، وفي إبريل 2026 صرح أنه كان سيفضل الاستيلاء على النفط الإيراني.
10. لم يخف ترامب رغبتَه في تسميت مضيق هرمز بمضيق ترامب، وفي 28/ 3/ 2026 قال إن "عليهم فتح مضيق ترمب.. أقصد مضيق هرمز.
عفوًا، أنا آسف، يا له من خطأ فادح"، قبل أن يضيف: "إنني أعلم أنهم سيستخدمون ذلك، لكنني لا أرتكب أخطاء.. ليس كثيرًا".
وفي 30 إبريل 2026 نشر خريطة لمضيق هرمز على منصته "تروث سوشيال"، بعد أن أعاد تسميته إلى "مضيق ترامب".
تعبِّر هذه التصريحات والتغريدات عن هَوس الاستيلاء والاستحواذ والسيطرة؛ إذ لا يمكن تفسيرُها ضمن إطار السياسة الخارجية التقليدية.
فمن الناحية الجيوسياسية، فإن مهاجمةَ حلفاء في الناتو (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، بريطانيا، الدنمارك) وجار وشريك تجاري رئيسي (كندا) لا يحقّق أي مكسب استراتيجي واضح.
بل إن الرئيسَ الألماني أولاف شولتس قال إن "حرمة الحدود هي مبدأٌ أَسَاسي في القانون الدولي تنطبق على كُـلّ دولة بغض النظر عن حجمها أَو قوتها".
من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى هذه التصريحات على أنها أداء للقوة والهيمنة أكثر من كونها خططًا سياسية قابلة للتنفيذ.
إنها تخدم حاجة داخلية (إظهار العظمة وتأكيد الهيمنة المطلقة) أكثر من خدمة المصالح الوطنية الأمريكية.
وقد لاحظت مجلةThe American Prospect أن "هوسه بالاستيلاء على غرينلاند - المخزي والمستهجَن والمعتوه أصلًا - أصبح دليلًا قاطعًا على هوَسه النرجسي بالعظمة".
رابعًا: تغريدات ترامب: الكذب والتناقض
لا يمكن فَهْمُ "طبيعة" ترامب وأثرها على قراراته دون تحليل التغريدات كظاهرة أنثروبولوجية-سياسية فريدة.
فترامب هو أول رئيس في التاريخ الأمريكي يستخدم مِنصة التواصل الاجتماعي كأدَاة رئيسية لصُنع القرار وإعلانه، متجاوزًا المؤسّسات التقليدية مثل البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووسائل الإعلام الرسمية.
ما يميز تغريداته ليس فقط سرعتها واندفاعيتها، بل تناقضاتها الصارخة و"كذبها" المزعوم - وهو اتّهام أطلقته عدة منصات تواصل اجتماعي كبرى عندما كانت تضع تحذيرات على بعض تغريداته.
ففي مِلف حرب إيران وحدَه:
أعلن ترامب وقف إطلاق النار، ثم هدّد بـ"القضاء" على أية سفينة إيرانية تقترب من الحصار الأمريكي.
أعلن أن واشنطن ستسحب قواتها، ثم أرسل قوات إضافية.
قال إن إيران "استسلمت"، ثم اعترف بأن المفاوضات "صعبة".
في اليوم نفسه، يمكن أن يغرد بدعم العلاقات مع أُورُوبا ثم يهاجم الحلفاء الأُورُوبيين؛ بسَببِ "تقاعسهم".
وفقًا لتوثيق صحيفة واشنطن بوست الأمريكية خلال فترة رئاسة دونالد ترامب الأولى (2017-2021)، بلغ العدد الإجمالي للادِّعاءات الكاذبة أَو المضللة 30، 573 تصريحًا.
وكانت أبرز تفاصيل هذا الإحصاء كما يلي:
. المعدل اليومي: بدأ بمعدل 6 كذبات يوميًّا في السنة الأولى، وارتفع ليصل إلى حوالي 39 كذبة يوميًّا في السنة الأخيرة من ولايته.
. تسارع الكذب: استغرق ترامب 27 شهرًا للوصول إلى 10 آلاف كذبة، ثم 14 شهرًا إضافية للوصول إلى 20 ألفًا، وتجاوز عتبة الـ 30 ألفًا في أقل من 5 أشهر خلال عام 2020.
. المواضيع الأكثر كذبًا: تصدرت مواضيع الهجرة، والسياسة الخارجية، والتجارة، والاقتصاد (خَاصَّة الوظائف) قائمة الادِّعاءات غير الدقيقة.
منهجية الرصد: قام فريقُ مدقّقي الحقائق في الصحيفة بمتابعة خطابات، وتغريدات، وندوات ترامب الصحفية، ورغم تكراره لنفس المزاعم الخاطئة مرات عدة، تم احتسابُ التكرار ككذبة واحدة في الإحصاء النهائي.
يُشار إلى أن هذه الأرقام اعتبرت غيرَ مسبوقة في تاريخ السياسة الأمريكية الحديثة.
هذا النمط من التواصل يجعلُ من المستحيل على الحلفاء والخصوم على حَــدٍّ سواء توقُّعُ الخطوة التالية للإدارة الأمريكية.
ففي العلاقات الدبلوماسية التقليدية، تعتمد الدولُ على الاتساق والموثوقية في الخطاب الرسمي.
عندما يكون رئيس أقوى دولة في العالم هو نفسه مصدر عدم اليقين، يصبح النظام العالمي برمته أكثر هشاشة.
بعض المحللين يرَون أن هذه التغريدات ليست مُجَـرّد انعكاس لشخصية متهورة، بل هي استراتيجيةٌ مقصودة: خلق حالة من "الفوضى الخلَّاقة" تمنح الولايات المتحدة ميزةً تفاوضيةً لأن الخصوم لا يعرفون أبدًا ما هو "الخط الأحمر" الحقيقي.
لكن انتقادات أُخرى ترى أن هذه الاستراتيجية - إن كانت موجودة - تحملُ في طياتها مخاطرَ كبيرة، أبرزُها سوءُ التقدير من قبل الأطراف الأُخرى الذي قد يؤدي إلى حرب واسعة.
خامسًا: تدمير العلاقة مع الحلفاء: الناتو وأُورُوبا
واحدة من أكثر السمات المميزة لولاية ترامب الثانية هي تآكل العلاقات مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في أُورُوبا وفي الناتو.
هذه الظاهرة لها تفسير أنثروبولوجي مهم: ترامب لا ينظر إلى التحالفات كشراكات قائمة على المصالح المشتركة والقيم، بل كـ"صفقات" تجارية يكون فيها الجانب الأمريكي هو "الخاسر" ما لم يدفع الحلفاء ثمنًا أعلى.
تتخذ هذه السياسة أشكالًا متعددة:
1. إعادة التموضع الاستراتيجي: تعلن وثيقة "استراتيجية الدفاع الوطني" لعام 2026 أن الحلفاء الأُورُوبيين يجب أن "يتولوا زمامَ المبادرة ضد التهديدات الأقل خطورةً بالنسبة لنا ولكنها أكثر خطورة بالنسبة لهم، مع دعم أمريكي محدود وحاسم".
بعبارة أُخرى: أُورُوبا وحدَها في مواجهة التهديدات القريبة منها.
2. مشروع "النواة الخمس": كشفت وسائل إعلام عن مقترح أمريكي لتشكيل "نواة خمسة" تضم الولايات المتحدة واليابان والهند وروسيا والصين، مستبعدة أُورُوبا بالكامل من دائرة الشركاء الأَسَاسيين.
إذَا تحقّق هذا المقترض، فسيكون تحولًا جذريًّا في النظام العالمي.
3. التهديد بالانسحاب من الناتو: كرّر ترامب تهديداتِه السابقة بالانسحاب من الحلف إذَا لم ترفع الدولُ الأعضاءُ إنفاقَها الدفاعي إلى 5 % من ناتجها المحلي الإجمالي (وهو رقم ضعف الهدف الحالي البالغ 2 %).
ثم كرّر تهديداته الجدية بالانسحاب إذَا لم تساعدْه في الحرب الإيران.
تفاقم الخلافُ جِـدًّا بين ترامب وأبرز مسؤولي الدول الأُورُوبية، وُصُـولًا إلى تبادلات التهديدات والتشنجات اللفظية بين ترامب وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا.
وهو ما يهدّدُ بانهيار تحالفات استراتيجية حافظت على الاستقرار العالمي لعقود؟
هذه السياسات تمثِّلُ خروجًا صارخًا عن إجماع السياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، والذي كان يقوم على مبدأ أن أُورُوبا القوية والموحدة هي في المصالح الحيوية لأمريكا.
من منظور أنثروبولوجي، يمكن تفسيرُ هذا الخروج على أنه نتيجة لـ"رؤية الصفقة" التي يطبّقها ترامب: إذَا لم يدفعِ الحليفُ ثمنًا فوريًّا مقابلَ الحماية الأمريكية، فهذه "صفقة سيئة".
لكن ما يغفله هذا المنطقُ هو أن التحالفاتِ تخلُقُ قيمةً استراتيجيةً لا تُقاس بالأرقام المباشرة.
وقد لاحظ الاتّحادُ الأُورُوبي هذا التحول بقلق.
وصرَّحت رئيسة المفوضية الأُورُوبية أورسولا فون دير لاين وعدد من المسؤولين الأُورُوبين بأن "سلام الأمس لم يعد موجودًا. يجب على أُورُوبا أن تتحمل مسؤولية أمنها بنفسها. لم يعد هذا خيارًا، بل أصبح ضرورة".
سادسًا: ترامب ومجموعة إبستين: مِلفٌّ مفتوحٌ على تناقضات
قضية إبستين تمثل واحدة من أكثر المِلفات حساسية وإثارة للجدل في شخصية ترامب.
جيفري إبستين، المموّل الأمريكي المدان بالاتجار بالجنس والاعتداء على القاصرات، كان صديقًا مقرَّبًا لترامب لعقود.
يظهر اسم ترامب "آلاف المرات" في وثائق إبستين، وفقًا لدعوى قضائية رفعتها صحافية ضد وزارة العدل.
في نوفمبر 2025، وقّع الرئيس ترامب على "قانون الشفافية لوثائق إبستين" (Epstein Files Transparency Act)، الذي ألزم وزارة العدل بالإفراج عن جميع الوثائق المتعلقة بإبستين خلال 30 يومًا.
لكن التنفيذ كان كارثيًّا من حَيثُ الشفافية:
فاتت وزارة العدل الموعد النهائي في ديسمبر.
عندما أفرجت عن الوثائق في فبراير 2026، كانت مليئة بـ"تنقيحات غير قانونية" وتضمَّنت نشرَ معلومات تعريفية للضحايا وصور عارية لبعضهم.
تم الإفراج عن حوالي 3.5 مليون وثيقة من أصل 6 ملايين تمت مراجعتها، مما يعني أن ملايينَ الوثائق لا تزال محتجزة.
تم رفع دعوى قضائية ضد المدعي العام بالإنابة تود بلانش (وهو محامي ترامب الشخصي سابقًا) بتهمة انتهاك القانون عمدًا.
وطلبت الدعوى تعيين "خبير خاص" للإشراف على الامتثال.
النقطة الحاسمة: لم تتم إدانة ترامب بأية مخالفة في قضية إبستين، ولم توجّـه له أية تهم رسمية حتى الآن رغم كُـلّ ما يقال.
ومع ذلك، فإن علاقتَه الطويلة مع إبستين وسجلَّه في التعامل مع القضية - بما في ذلك التوقيع على قانون الشفافية ثم تعيين مساعدين يواصلون إخفاءَ الوثائق - يمثِّلُ نمطًا متكرّرًا في شخصيته: تجنُّب المساءلة مع الحفاظ على صورة "المصلح".
يمكن النظرُ إلى هذا من منظور أنثروبولوجي على أنه تعبيرٌ عن "النرجسية" التي تمنعُ الشخصَ من الاعتراف بالهفوات أَو تحميل نفسه أية تبعات لأفعاله.
سابعًا: الرئيس.. الملك الغاضب
بمنطق القوة العظمى وشعار "القوة مِن أجلِ السلام"، يهدّد ترامب بإخضاع العالم لأمريكا أَو سحقه بقوتها التي لا مثيل لها.
ولا تخلو تصريحاتُه المتكرّرة من التباهي بالقوة والعظمة والسلاح الأكثر فتكًا في العالم.
1. التدمير والإبادة: تتسم شخصية ترامب بشخصية "الملك الغاضب" دائمًا، لا الرئيس الديمقراطي المنتخَب شعبيًّا.
لغتُه السائدة لا تخلو من مفردات: التدمير، الإبادة، الجحيم، وإضرَام النيران.
ففي مطلع العام 2025، صرّح مهدّدًا بتدمير المنطقة العربية أو ما يسمى الشرق الأوسط وإحراقه وإشعاله جحيمًا إذَا لم تفرج حماس عن الأسرى لديها من الجنود الصهاينة دون قيد أَو شرط.
وخلال شهرَي مارس وإبريل 2026، هدّد مرارًا وتكرارًا بتدمير إيران وحضارتها، وإضرَام الطاقة نارًا وجحيمًا إذَا لم تفتح مضيق هرمز وتُبرم صفقة عاجلة كما يريد.
2. السخرية والإهانة: لا يخفي ترامب غضبَه تجاه ملوك الخليج، لا بأُسلُـوب التهديد المباشر، وإنما بالسُّخرية والاستهزاء المشين، وبالذات السعوديّة التي طالما وصفها بـ"البقرة الحلوب".
وخلال رئاسته الأولى، وجّه سُخريةً لاذعةً للعاهل السعوديّ.
وفي 29 مارس 2026، وخلال منتدى استثماري في ميامي، عبّر ترامب عن استيائه الشديد من ولي العهد السعوديّ محمد بن سلمان، ووجّه له انتقاداتٍ لاذعة؛ بسَببِ تأخُّــرِه عن التطبيع مع كِيان الاحتلال، ووصفه بقوله: "لم يتوقَّعْ أنه سيضطرُّ إلى التملُّقِ إليَّ"، وأضاف: "عليه أن يقبِّلَ مؤخِّرتي"، و"أبلغوه من الأفضل أن يكون لطيفًا معي".
وهو ما اعتُبر تهجمًا فاحشًا لا سابقة له.
ثامنًا: الرئيس القرصان
في 2 مايو 2026، وصف ترامب ما تقوم به البحرية الأمريكية التي تفرض الحصار البحري على إيران والسفن الإيرانية بالقرصنة.
وقال إن البحرية الأمريكية تتصرّف "كالقراصنة" خلال الحرب التي تشنها إلى جانب كِيان الاحتلال على إيران.
وأضاف: "احتجزنا السفينة والحمولة والنفط. إنها تجارة مربحة جِـدًّا. نحن مثل القراصنة.. نوعًا ما مثل القراصنة، لكننا لا نمزح".
تاسعا: ترامب والمسيحية الدينية
1. ترامب وبابا الفاتيكان: وصل الخلاف بين ترامب وبابا الفاتيكان (ليو الرابع عشر) إلى ذروته في أوائل عام 2026، على خلفية الحرب على إيران، حَيثُ انتقد ترامب مواقف البابا الداعية لإنهاء الحروب، معتبرًا إياها "تساهُلًا"، بينما أصرّ البابا على الحلول السلمية.
كان ترامب قد هدّد "بتدمير الحضارة الإيرانية" وإنهائها من الوجود، وهو ما اعتبره البابا تهديدًا للسلام.
ودعا البابا القادةَ إلى وقف إراقة الدماء، مندّدا بما وصفه بـ"وَهْمِ القدرة المطلقة" الذي يغذي الحرب.
وفي 16 إبريل 2026، هاجم ترامب البابا في منشورٍ مطوَّلٍ على مِنصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشيال"، قائلًا إنه "ضعيفٌ في التعامل مع الجريمة" و"كارثي في السياسة الخارجية".
وكتب ترامب: "لا أريد بابا يرى أن امتلاكَ إيران سلاحًا نوويًّا أمرٌ مقبول".
وأضاف: "لا أريد بابا يرى أنه من الفظيع أن الولاياتِ المتحدة هاجمت فنزويلا".
واتهم البابا بتجاوز صلاحياته، قائلًا: "لا أريد بابا ينتقد رئيسَ الولايات المتحدة الأمريكية".
وقال: "لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان (ليو) في الفاتيكان".
وعندما سأله الصحفيون عن منشوره، قال لاحقًا: "لا أعتقد أنه يؤديَ عملَه بشكل جيد جِـدًّا. أعتقد أنه يحب الجريمة".
وأضاف: "لستُ من المعجبين بالبابا ليو".
بدوره، أعرب البابا عن عدم رغبته في الخوض في تدخلات سياسية أَو الدخول في أي سجال سياسي مع ترامب.
وردَّ على تلك المواقف والتصريحات قائلًا: "سأواصل التحدث بقوة ضد الحرب، سعيًا إلى تعزيز السلام والحوار والتعددية".
وأكّـد أنه "لا يخشى إدارة ترامب"، وأنه سيواصل الدفاعَ عن الإنجيل "بصوت عالٍ".
يشكّل الكاثوليك نحو خمس سكان الولايات المتحدة، وفقًا لبيانات التعداد، ومن بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، ووفقًا لاستطلاع أجرته وكالة أسوشيتد برس، حصل ترامب على 55 % من أصوات الناخبين الأمريكيين الكاثوليكيين عام 2024.
وهذا ما ينذر بتفكُّك خطير بين إدارة ترامب وقادة البروتستانت الإنجيليين المحافظين، الذين حرص ترامب على ولائهم، وعمل بشكل متزايد على تأطير الحرب مع إيران في سياق ديني.
2. ترامب والمعتقد الديني: في إبريل 2026، نشر الرئيس ترامب عبر مِنصته "تروث سوشيال" صورًا مولَّدةً بالذكاء الاصطناعي تُظهِرُه في هيئة دينية تشبِّهُه بالسيد المسيح، وفقَ المعتقد الكاثوليكي الذي يعتبر المسيح إلهًا.
الصورة الأولى أظهرته بملامح تشبه السيد المسيح وهو يجترح معجزة، محاطًا بجنود وطائرات حربية ورموز أمريكية، وقد حُذفت لاحقًا بعد انتقادات واسعة.
أما الصورة الثانية، فأظهرته وهو يعانقُ السيد المسيح، مع تعليق: "ربما يستخدم الرب ورقتَه الرابحة!".
وقد نُشرت هذه الصور في سياق حملة إعلامية غير تقليدية تضمنت صورًا خيالية أُخرى (مثل فنادق ترامب على سطح القمر)، وفي خضم حرب كلامية مع الفاتيكان، والحرب على إيران.
وبينما اعتبرها البعض مساسًا بالمقدسات، رأى فيها آخرون تعزيزًا لصورة ترامب "المنقِذ والمخلِّص".
عاشرًا: سيناريوهات المستقبل
بعد سنة كاملة من ولايته الثانية (يناير 2025 - يناير 2026)، يمكن طرح سؤال التنبؤ بمستقبله السياسي.
لكن التحليل الأنثروبولوجي لا يسمح بـ"التكهن" بقدر ما يسمح بتحديد السيناريوهات المحتملة بناءً على أنماط السلوك المرصودة.
السيناريو الأول: استمرار الهيمنة
قبل الحرب على إيران، كان ترامب يتمتع بقاعدة شعبيّة قوية تبلغ حوالي 77 مليون صوت في انتخابات 2024.
وقد أظهر قدرة فائقة على تحويل أي هجوم أَو أزمة إلى "بروباغاندا" تصب في صالحه.
يصفه الديمقراطيون بأنه "الملك المجنون"، لكن يبدو أن 77 مليون أمريكي لا يرون فيه ذلك.
هذا الانقسام العميق في المجتمع الأمريكي هو الضمان الأهم لبقائه في السلطة حتى نهاية ولايته.
إلا أن الحرب على إيران وأزمة الطاقة وغلاء المعيشة هبطت بشعبيته لأدنى مستوياتها 33 % وفق آخر استطلاعات الرأي.
في 28 إبريل نيسان (رويترز) - أظهر استطلاع جديد أجرته رويترز/إبسوس أن شعبيّة الرئيس دونالد ترامب انخفضت إلى أدنى مستوى لها خلال ولايته الحالية، مع تزايد استياء الأمريكيين من طريقة تعامله مع ارتفاع تكاليف المعيشة والحرب غير الشعبيّة مع إيران.
وأوضح الاستطلاع الذي استمر أربعة أَيَّـام أن 34 بالمئة من الأمريكيين يوافقون على أداء ترامب في البيت الأبيض، بانخفاض عن 36 بالمئة في استطلاع سابق أجرته رويترز/إبسوس من 15 إلى 20 إبريل نيسان.
السيناريو الثاني: الإقالة أَو الاستقالة
دعا البعض (مثل مجلةThe American Prospect) إلى تفعيل التعديل 25 الذي يسمح بعزل الرئيس إذَا أعلن نائبُه وأغلبيةُ الوزراء أنه "غير قادر على أداء مهام منصبه".
لكن يعترف حتى أنصار هذه الدعوة بأنها غير واقعية: نائب الرئيس جيه دي فانس والوزراء جميعهم مخلِصون لترامب ولن يتخذوا هذه الخطوة أبدًا، وشخصية ترامب السلطوية ليس بالسهل أن تتخلى عن السلطة مطلقًا.
السيناريو الثالث: التورط في حرب لا يمكن الخروج منها
هذا هو الخطر الحقيقي، إذَا استمرت حربُ إيران على حالها - مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة عالميًّا - فقد يجد ترامب نفسَه أمام خيارَين لا ثالث لهما:
التصعيد إلى حرب واسعة قد تجُرُّ قوى كبرى أُخرى، أَو التراجع المخزي الذي قد يُضعِفُ مصداقيتَه ويعزز صورةَ "الضَّعْف".
السيناريو الأكثرُ ترجيحًا حتى الآن هو استمرارُ حالة "اللاحرب واللاسلم" التي تسمحُ لترامب بإظهار القوة (عبر الهجمات المحدودة والحصار) مع تجنُّبِ كارثة حرب شاملة.
هذه المراوغةُ السياسيةُ ماهرة، لكنها تظلُّ قابلةً للانفجار في أية لحظة؛ بسَببِ سوء تقدير من أي طرف.
في نهاية هذه المقالة النقدية، نعودُ إلى السؤال الأنثروبولوجي الأكبر: كيف يمكن لشخصية رئيس دولة واحدة أن يكونَ لها هذا الأثر الهائل على السياسة العالمية؟
في الأنظمة السياسية التقليدية، يتم تصميمُ المؤسّسات والضوابط والتوازنات لضمان استمرار الدولة بغض النظر عن شخصية من يديرها.
لكن ما نراه في عهد ترامب هو تراجُعُ دورِ المؤسّسات وتركيز السلطة في يد الرئيس بشكل غير مسبوق.
عندما يُقال لصحيفة نيويورك تايمز إن القيدَ الوحيدَ على تصرُّفات الرئيس هو "إحساسُه الخاص باللياقة والأخلاق" (كما قال ترامب نفسه)، فهذا يعني أن النظام السياسي الأمريكي أصبح يعتمد بشكل خطير على الخصائص النفسية والشخصية لرجل واحد.
من منظور عربي وإقليمي، تثير هذه الظاهرة مخاوفَ مشروعة: كيف يمكنُ التعامُلُ مع قائدٍ قراراتُه "نارية" ومتقلِّبة ومتناقضة، ومنشورات انطباعية تصاغ على مِنصات الإعلام بعيدًا عن مؤسّسات الدولة وسياساتها.
ربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه صناع القرار في العالم العربي اليوم هو تعلُّمُ كيفية التعامل مع "الشخصية النارية" لترامب دونَ الانجراف وراء تقلُّباته.
وهذا يتطلَّبُ فَهْمًا عميقًا للعوامل الأنثروبولوجية التي تحَرِّكُه: حاجتُه الدائمة للإطراء والاعتراف، قابليتُه للتأثر بالصورة أكثرَ من الجوهر، وتعطُّشه لتحقيق "انتصارات" يمكنه عرضُها كدليل على عظمته.
في النهاية، تظل شخصيةُ ترامب حالةً فريدةً في التاريخِ السياسي الأمريكي والعالمي، وسيظل الجدلُ حول "طبيعته" وآثارُها مفتوحًا لعقودٍ قادمة.
ما يمكنُ تأكيدُه الآن هو أن العالم لم يشهد من قبل رئيسًا للولايات المتحدة يختبر حدود النظام العالمي بهذا الشكل المباشر والصارخ.
وكما قال أحد المحللين: "النرجسية لم تعد عيبًا في نظر الناخب الأمريكي".
• المصادر:
. معهد أبحاث الشرق الأوسط (MEMRI، "ترامب ونتنياهو هما محور الشر". المالكي، محمد علي، دبلوماسي قطري، 31 مارس 2026
. ذا ديلي بيست (The Daily Beast)، "أحد كبار مساعدي ترامب يُرفع عليه دعوى لفشله في الإفراج عن وثائق إبستين"، 26 إبريل 2026.
. وكالة أنباء شينخوا (الصينية)، "الأحداث في مضيق هرمز خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران"، 24 إبريل 2026.
. جلوبال سيكيوريتي (نقلًا عن صحيفة الشعب اليومية الصينية)، "تصريحات ترامب التوسعية تلقى رفضًا واسعًا"، 11 يناير 2025.
. جريك ريبورتر (GreekReporter.com)، "الولايات المتحدة ستحد من دعمها للحلفاء الأُورُوبيين بموجب استراتيجية البنتاغون الجديدة"، 24 يناير 2026.
. ذا نيوز دايلي (The New Daily - أستراليا)، "لماذا دونالد ترامب هو النموذج الأمثل لهوس العظمة"، 20 يناير 2026.
. ذا إندبندنت (The Independent - بريطانيا)، "القائم بأعمال وزير العدل الأمريكي (المعين من ترامب) يواجه دعوى لفشله المزعوم في الإفراج عن وثائق إبستين كاملة"، 27 إبريل 2026.
. سي إن إن (CNN)، "ترامب من غير المرجح أن يقبل مقترح إيران الأخير لإنهاء الحرب"، 28 إبريل 2026.
. خدمة الإذاعة العامة التايوانية (PNN) "ترامب يحول التركيز الدبلوماسي الأمريكي ويقترح تشكيل نواة خمسة مستبعدًا أُورُوبا"، 2 يناير 2026.
. ذا أمريكان بروسبكت (The American Prospect)، "لقد حان وقت التعديل الخامس والعشرين لعزل الملك المجنون دونالد ترامب"، 20 يناير 2026.

.jpg)
.png)




