عبدالله علي هاشم الذارحي
في محاضرته الرمضانية الـ26 لعام 1447هـ، قدّم السيد القائد قراءة قرآنية حيّة لقصة نبي الله موسى عليه السلام في مواجهته مع فرعون، كاشفًا من خلالها طبيعة الصراع الأبدي بين المستضعفين والمستكبرين.
إنها ليست قصة تاريخية فحسب، بل نموذج متجدد للصراع بين الحق والباطل، يتكرّر في كُـلّ زمان حين يقف أهل الإيمان في مواجهة الطغيان، ويتبيّن ذلك من خلال العناوين الآتية:
1- الاستضعاف في مقابل الطغيان
بيّن السيد القائد أن بني إسرائيل كانوا يعيشون حالة امتهان واستضعاف شديدين، حَيثُ مارس فرعون عليهم أبشع أشكال الاضطهاد والاستعباد.
في المقابل كان فرعون يمثل قمة الطغيان، وقد بلغ به الغرور أن يدّعي الألوهية ويتحكم في مصائر الناس.
وفي قلب هذا الواقع المظلم جاءت رسالة موسى عليه السلام؛ رسالة تحرير للمستضعفين، ومواجهة مباشرة للطاغية في عقر داره.
لقد دخل موسى وهارون عليهما السلام إلى قصر فرعون بكل هيبته، لكنهما دخلا بقوة الإيمان وبالثقة بالله الذي يرعاهما ويحفظهما.
2- الربوبية.. تحطيم أَسَاس الطغيان
كان أول عنوان في رسالة موسى هو تذكير فرعون بحقيقة الربوبية: أن الله هو رب العالمين.
فالله هو الخالق المدبر، وهو وحده المستحق للعبادة، وكل ما سواه محتاج إليه.
بهذا الطرح كان موسى عليه السلام يهدم أَسَاس الطغيان؛ لأن الطغاة لا يستطيعون البقاء إلا إذَا ابتعد الناس عن معرفة الله وعن إدراك حقيقتهم كعبيد له.
3- تحرير المستضعفين
أما العنوان الثاني فكان المطالبة بإطلاق بني إسرائيل من قبضة الاستعباد.
فقد كان فرعون يذلهم ويستغلهم في الأعمال المهينة ويعاملهم بقسوة شديدة.
ويشير السيد القائد إلى أن هذا الأُسلُـوب في الاستعباد والإذلال يشبه إلى حَــدّ كبير ما يمارسه اليهود الصهاينة اليوم بحق الأُمَّــة، حَيثُ يسعون إلى إذلالها واستحقارها بدافع الحقد والعدوان.
4- أساليب الطغاة في التشويه
حين واجه موسى فرعون بالحق، لم يجد الطاغية حجّـة يرد بها، فلجأ إلى أساليب التشويه.
فذكّر موسى بأنه تربى في قصره وكأنه يمنّ عليه بذلك، ثم استحضر حادثة القتل القديمة ليصنع حاجزًا بين موسى وبين الناس.
لكن موسى عليه السلام رد بثبات، مبينًا أن تلك الحادثة كانت قبل الرسالة، وأن الله هداه واصطفاه وجعله من المرسلين.
كما كشف حقيقة منّة فرعون، موضحًا أن تربيته في القصر كانت نتيجة ظلم فرعون نفسه لبني إسرائيل.
5- سقوط الطغيان أمام الحجّـة
واصل موسى تقديم الحجج الواضحة عن رب العالمين، مبينًا أن الله هو خالق كُـلّ شيء، وهو الذي هدى كُـلّ مخلوق إلى ما يصلح حياته، وأن السماوات والأرض آيات شاهدة على قدرته.
ولما عجز فرعون عن مواجهة الحجّـة، لجأ إلى السخرية والاستهزاء، ثم اتهم موسى بالجنون.
لكن موسى عليه السلام واجه ذلك بثقة، مؤكّـدًا أن المجنون الحقيقي هو من يدعي الألوهية وهو مخلوق ضعيف.
6- منطق الطغاة.. القمع والتهديد
حين فشل فرعون في الجدل، انتقل إلى لغة التهديد، معلنًا أن من يتحدث بهذا الكلام مصيره السجن.
وهكذا ينكشف منطق الطغاة: حين تسقط حجتهم يلجؤون إلى البطش والقوة.
7- المعجزة التي أربكت الطغيان
أمام هذا التهديد أعلن موسى أنه سيأتي بآية من الله، فألقى عصاه فتحولت إلى أفعى عظيمة، ونزع يده فإذا هي بيضاء تشع نورًا.
كانت معجزات واضحة تهز القلوب، لكن فرعون لم يتراجع، بل لجأ إلى الدعاية الكاذبة واتهم موسى بالسحر في محاولة يائسة لتضليل الناس.
8- الدرس الخالد
تؤكّـد هذه القصة، كما وضّح السيد القائد، أن الطغيان مهما بلغ جبروته يظل ضعيفًا أمام الحق.
فالمؤمن حين يتحَرّك في إطار مشروع إلهي يصبح أقوى من كُـلّ طغاة الأرض.
إن قصة موسى مع فرعون تذكّرنا بأن المستكبرين قد يمتلكون القوة والسلطان، لكن كلمة الحق الصادقة كفيلة بأن تهز عروشهم، وأن النصر في نهاية المطاف هو وعد الله لعباده الصادقين.



.jpg)



