مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

شاهر أحمد عمير
لم يطرحِ القرآنُ الكريمُ مفهومَ الفساد بوصفه قضيةً هامشية أَو انحرافًا عابرًا في سلوك الأفراد، بل قدّمه كأحد أخطر الظواهر التي تهدّد وجود المجتمعات واستقرارها، وتجعل العدل ـ إن غاب ـ سببًا مباشرًا لانهيار الأمم وسقوط الحضارات.

فالفساد في الرؤية القرآنية ليس حالة طارئة يمكن تجاوُزُها بسهولة، بل بنية مدمّـرة إذَا استشرت في واقع الأمم أفقدتها معناها الإنساني، مهما بلغت من قوة أَو نفوذ.

ومن بين الآيات الأشد وَقْعًا في هذا السياق، تبرُزُ آيةُ سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَو يُنفَوْا مِنَ الأرض﴾.

وهي آيةٌ لا تُستحضَرُ للترهيب المُجَـرّد، ولا تُقرأ بمعزل عن مقاصدها، بل تُعد نَصًّا تشريعيًّا وأخلاقيًّا في آنٍ واحد، يرسمُ حدودَ الصراع بين الحق والباطل، ويؤسِّسُ لفهمٍ عميق لمعنى الأمن والعدل في المجتمع.

 

شمولية مفهوم الفساد القرآني

الفساد في الرؤية القرآنية ليس مفهومًا ضيَّـقًا محصورًا في الجريمة الجنائية المباشرة، بل حالة شاملة تتجسّد في كُـلّ فعلٍ يهدم الإنسان أَو يسلبه أمنه أَو كرامته أَو حقه في الحياة.

فالقرآن يربط الفساد بالقتل بغير حق، وبالطغيان والاستكبار في الأرض، وبنقض العهود، وبإشاعة الخوف، وبإعانة الظالمين، بل ويعتبر الصمت الدائم عن الظلم شكلًا من أشكال المشاركة فيه حين يتحول إلى موقف واعٍ لا إلى عجزٍ طارئ.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ السعيَ في الأرض فسادًا لا يقتصرُ على حمل السلاح، بل قد يتحقّقُ عبرَ القرار السياسي، أَو التمويل، أَو التغطية الإعلامية المنحازة، أَو التبرير القانوني، أَو التطبيع الأخلاقي مع الجريمة.

فالفسادُ في العصر الحديث غالبًا ما يرتدي ثيابَ الشرعية، ويتحدث بلُغة المصالح، ويختبئُ خلفَ شعارات زائفة مثل السلام أَو الاستقرار أَو الواقعية السياسية، بينما تكون نتائجُه تدميرَ الإنسان والمجتمع معًا.

 

واقع العالم المعاصر وجرائم الهيمنة

وفي قراءة الواقع الدولي المعاصر، تتجلّى صُوَرُ هذا الفساد بوضوح في ما تتعرَّضُ له الشعوبُ المستضعَفة من عدوانٍ ممنهج، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، حَيثُ تُرتكب جرائم القتل والحصار والتجويع والتهجير بدعمٍ مباشر أَو غير مباشر من قوى دولية كبرى، وبصمتٍ مريب من مؤسّسات تدّعي حماية القانون الدولي وحقوق الإنسان.

وهذا المشهد لا يمكن فصلُه عن مفهوم الفساد القرآني؛ لأن تحويلَ الظلم إلى سياسة دائمة، والجريمة إلى خيار استراتيجي، هو ذروة الإفساد في الأرض.

ويبرز في هذا السياق دور المرتزِقة والعملاء والمطبّعين الذين يختارون الاصطفافَ مع مشاريع الهيمنة والاحتلال، سواء عبر القتال المباشر، أَو عبر تسويق الرواية الظالمة، أَو عبر شرعنة العدوان إعلاميًّا وثقافيًّا.

وهؤلاء لا يمارسون الفسادَ بشكل فردي فحسب، بل يساهمون في تفكيكِ الوعي الجمعي للأُمَّـة، وإضعاف مناعتها الأخلاقية، وتحويل الباطل إلى رأي قابل للتسويق والتطبيع.

 

العدل كضابط للعقوبة

غير أن القراءة المنهجية للآية الكريمة تفرِضُ التمييزَ الدقيقَ بين توصيف الفعل وبين الحكم الشرعي التنفيذي.

فآيةُ الحرابة، بإجماع الفقهاء، تتعلَّقُ بحكمٍ قضائي له شروطُه وضوابطُه الصارمة، ولا يجوزُ أن تتحوَّلَ إلى أدَاة بيد الأفراد أَو الجماعات لتبرير الفوضى أَو تصفية الحسابات.

فالقرآن، وهو يقرّر العقوبة، يقرّر معها مبدأ العدل، ويمنع التعدي، ويشترط قيام الدولة والقضاء، وإثبات الجريمة بوسائل مشروعة.

الخاتمة والمسؤولية: إن أخطر ما يواجه عالمنا اليوم ليس فقط انتشار الفساد، بل اعتياده والتعايش معه وتبريره باسم المصالح أَو الواقعية.

وهنا يأتي الدورُ التوعوي للخطاب القرآني، الذي لا يكتفي بإدانة الفساد، بل يدعو إلى بناء وعيٍ مقاوِمٍ له، واستعادة المعايير الأخلاقية في السياسة والإعلام والثقافة، والانحياز الصريح للحق دون مواربة.

إن الآيةَ ليست نَصًّا معلقًا في الماضي، بل ميزانٌ حَيٍّ يُقاس به الحاضر؛ وهي تذكيرٌ دائمٌ بأن العدلَ أَسَاسُ العُمران، وأن الفسادَ -مهما تزيّن- طريقَه إلى الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.

 

 


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر