شاهر أحمد عمير
تظل مواقفُ العظماء مناراتٍ تُضيء عتمة الأيّام، وعلاماتٍ فارقة في تاريخ الأمم.
وعندما يستذكر الأحرار سيرة الراحل الحكيم والوالد المربي، والعلامة المجاهد العالم الرباني السيد بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، فإنهم يستلهمون منهجًا متكاملًا في العلم النافع، والجهاد الصادق، والعمل الدؤوب، حَيثُ غدت هضاب اليمن وشعابها شهودًا على ثباتٍ لا يلين، وعزيمةٍ حوّلت الابتلاءات والخطوب إلى قلاعٍ لبناء الوعي وتنشئة الأجيال على العزة والكرامة.
وفي هذا العصر، كان العالم الرباني السيد بدر الدين الحوثي (سلام الله عليه) كأحد أهم العلماء والشخصيات الجهادية الذين كسروا الصورة النمطية للعالم المعتزل؛ فبالرغم من كبر سنه وشيخوخته، لم يعفِ نفسه يومًا من غمار المواجهة والجهاد في سبيل الله، متحملًا في سبيل ذلك أقسى صنوف المعاناة من قصفٍ وتشريد وحصار بين الجبال والسهول والوديان، ومقدمًا تضحيات جسيمة تمثلت في استشهاد أغلب أبنائه وأحفاده وبناته.
ورغم كُـلّ الإغراءات والامتيَازات التي عرضتها عليه السلطة آنذاك في ظل نظام "عفّاش" لثنيه عن مواقفه، إلا أنه آثر حياة التشريد ومجابهة البرد القارس والرياح الشديدة في الصحاري والقمم الصخرية، رافضًا بشكل مطلق التنازل عن مبادئ دين الله وهداه، ومكرسًا حياته لتعليم الشعب اليمني وتوعيته وتصحيح المسار الديني بعد عقود من التمدد الممنهج للفكر الوهَّـابي والتكفيري الذي ساد واكتسح أجزاء واسعة من البلاد.
ومن خلال الأحداث الواقعية للمسيرة القرآنية والعملية لهذه الشخصية، يتضح أننا لسنا أمام تجربة علمية معزولة، إنما نحن أمام مشروع تربوي وتعبوي أرسى القواعد الأولى لما يُعرف اليوم بـ"المسيرة القرآنية"، وصاغ بيئة خصبة ولدت من رحمها تحولات سياسية وعسكرية كبرى أعادت تشكيل الخارطة اليمنية والإقليمية؛ حَيثُ تجلت قيمته كنموذج رائد لعلماء الأُمَّــة الإسلامية في هداية المجتمع وتوجيه البُوصلة نحو تشخيص المخاطر الحقيقية المحيطة بالأمة، وفي مقدمتها الخطر الأمريكي والإسرائيلي والمشاريع الاستخباراتية الإرهابية المصاحبة لها.
تستند القوة التأثيرية لشخصية العالم الرباني السيد بدر الدين الحوثي إلى قدرته العالية على تطويع النص القرآني وجعله محركًا للموقف السياسي، وهي استراتيجية تختلف جذريًّا عن المدارس الفقهية التقليدية التي قد تكتفي بالجانب التعبدي أَو الفقهي البحت.
ففي هذا السياق، أُعيد تقديم القرآن كدليل حركي شامل، وليس ككتاب عبادة فقط، وميزان تُقاس به قضايا الأُمَّــة ومواقفها من الآخر، وتحديدًا تجاه قوى الاستكبار الدولي.
دَمْجٌ بين الروحانية والسياسة وفر قاعدة جماهيرية صُلبة؛ إذ تحولت المفاهيم الدينية من أفكار مُجَـرّدة إلى دوافع عملية قادرة على تحريك المجتمعات وإقناعها بالثبات والتضحية في مواجهة الأزمات، وتحويل "المحنة" من حالة ضعف إلى مدرسة لصناعة الوعي والمواجهة والتصدي للاختراق الفكري والسياسي.
وبالموازاة مع ذلك، يتجلى البُعد الرمزي في توظيف مظاهر المعاناة الشخصية والأسرية التي عاشها، مثل الهجرة والتضييق وفقدان الأهل، كأدوات لشرعنة المنهج وربطه بالسير التاريخية، وبدين الله، ومنهج الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهج آل البيت (عليهم السلام)، وبالتولي الصادق لله ولرسوله وللإمام علي (عليه السلام)، حَيثُ منح هذا الإسقاط التاريخي والروحي للمسيرة القرآنية بعدًا إيمانيًّا يتجاوز حدود الزمان والمكان، وجعل من التحديات الميدانية والضغوط العسكرية امتدادا طبيعيًّا للصراع التاريخي بين الحق والباطل.
إن الرجوع إلى حياة هذا العالم الربَّاني ومعرفتها يظهر كيف تُمثل سيرة العالم الرباني السيد بدر الدين الحوثي ومواقفه الصُّلبة في وجه الترغيب والترهيب حجر الزاوية والركيزة الأَسَاسية في بناء الهُوية الفكرية لتياره.
تحولت كلماته ومعاناته وتضحياته بفلذات كبده إلى موجهات استراتيجية تسترشد بها الأيّام والأجيال المتعاقبة، مما يجعل حضوره مُستمرًّا ومتجددًا في الوجدان الإنساني والميدان العسكري كرمز لمرحلة انتقالية كبرى، نقلت الفكر الحركي من حيز الدفاع والانكفاء والمظلومية الساكنة، إلى طور الهجوم والمبادرة وصناعة الأحداث والتحولات الجيوسياسية في المشهد الإقليمي والدولي.

.jpg)


.png)


.jpg)