مبارك حزام العسالي
تطل علينا الذكرى الثانية عشرة لثورة 21 سبتمبر المجيدة، واليمن يسطر بأحرف من نور، ملاحم التحرر ودحر تحشيدات العدو السعودي الغاصب، من جغرافيا اليمن الساحلية_ بعد سنوات من السيطرة عليها_ في مرحلة عنوانها الأبرز الحرية والاستقلال، وسقوط مشاريع الوصاية والارتهان للخارج.
هذه الثورة شكلت محطة فارقة في تاريخ اليمن، وتحولاً ميدانياً على مختلف الأصعدة، أعاد لليمنيين كرامتهم، وسيادتهم، واستقلال قرارهم السياسي، وانتشال القرار الوطني من دهاليز التبعية للأعداء، ليستعيده الشعب إرادته الحرة، كما أكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- بأن "ثورة 21 سبتمبر انطلقت لشعبنا العزيز بالحرية والاستقلال على أساس من هويته الإيمانية والتحرر من الاستعمار الأجنبي".
وعلى مدى اثني عشر عاماً من المواجهة والصمود، تعرض اليمن لعدوان وحصار غير مسبوقين، وراهنت القوى الإقليمية والدولية على شل إرادة هذا الشعب عبر استهداف البنية التحتية والمقومات الحياتية.
غير أن الرهان على تركيع اليمنيين أثبت إفلاسه الميداني؛ إذ تحولت التحديات إلى فرص لبناء قوة عسكرية واستراتيجية باتت تُحسب لها ألف حساب، وصارت إرادة صنعاء رقماً صعباً يتجلى في فرض التوازنات السيادية، تجسيداً لما أشار إليه السيد القائد بـ "أن تحرك شعبنا في مواجهة العدوان كان بدافع المسؤولية الإيمانية والدينية والوطنية للدفاع عن أرضه وعرضه وكرامته واستقلاله".
ومع اشتداد المواجهة وتهاوي الرهانات العسكرية للعدوان وأدواته في مختلف الجبهات — وفي مقدمتها التطورات المفصلية التي شهدها الساحل الغربي وإحكام السيطرة الوطنية على الشريط الساحلي ومحيط باب المندب والجزر الاستراتيجية — تتجلى اليوم أزمة الخصوم واضحة جليّة.
أدى هذا التحول الميداني إلى إسقاط مخططات الاقتطاع والهيمنة البحرية، ووصل بهم العجز إلى استجداء التدخلات الأمريكية المباشرة واللجوء للبيت الأبيض، في مشهد يختصر نفاد أوراقهم واستنزاف أدواتهم، وينسف كل ادعاءات "السيادة" التي يتشدقون بها.
وتتجلى عظمة هذه الثورة في قدرتها على تحويل المحن والعدوان الشامل إلى فرصة تاريخية لبناء قوة عسكرية واستراتيجية ضاربة، أذهلت العالم بكفاءتها وتطورها؛ فبعد أن كانت القوى الأجنبية تراهن على تجريد اليمن من سلاحه وتفكيك مؤسساته العسكرية، باتت العاصمة صنعاء اليوم تمتلك زمام المبادرة واليد الطولى في الميدان.
وامتد هذا التفوق من الصمود والردع في الجبهات البرية، إلى فرض معادلة سيادية على شريط الساحل الغربي ومحيط باب المندب.
وهذا الحضور الوطني المباشر والسيطرة الكاملة على الجزر والمنافذ البحرية الاستراتيجية أفشل مخططات الاحتلال للممرات البحرية وجزرها، ومصادرة أهم ورقة جيوسياسية يمتلكها اليمن، وموقعه الحاكم في المنطقة، وأثره في التحكم بانسيابية حركة الملاحة الدولية والتجارة العالمية، التي تجعل لها مهابتها أمام أي دولة في العالم تمر إمداداتها من البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
كما أثبتت الأحداث أن التلاحم الشعبي والالتفاف الجماهيري حول القيادة والثوابت الإيمانية يشكلان الحصن المنيع الذي تهاوت أمامه كافة حروب التضليل والشائعات، حيث فشلت كل المراهنات الإعلامية والسياسية التي حاولت شيطنة الموقف الوطني أو التغطية على هزائم العدوان وتداعي حلفائه المحليين والإقليميين.
ويأتي لجوء الخصوم المتكرر للارتهان بالإدارة الأمريكية واستجداء تدخلاتها المباشرة ليمثل اعترافاً صريحاً بنفاد أوراقهم وعجزهم الميداني أمام ثبات الحفاة الصامدين، ويكشف لشعبنا اليمني ولكل أحرار العالم طبيعة العلاقة القائمة على التبعية للأعداء على حساب السيادة اليمنية، وهذا ما يضعف مكانتهم أمام الشعب الذي لا يرغب بهم في مختلف المحافظات والمناطق اليمنية.
وهذا ما يؤكده تذبذب الموقف الأمريكي وتردد واشنطن في الانغماس المباشر في العدوان على اليمن خلال هذه المرحلة، ويبعث بحديث صريح لكل القوى المرتهنة مفاده أن الرهان على الأجنبي رهان خاسر، وأن حسابات القوى الكبرى تقدم مصالحها الخاصة على أي التزامات لحلفائها، وهو ما تختصره الرؤية الإيمانية الثابتة التي شدد عليها السيد القائد بقوله: "نحن أصحاب حق وقضية عادلة، ونحن أصحاب موقف إيماني وأصيل، ولن نقبل بالإجحاف بحقوق شعبنا ومطالبنا المشروعة".
إذن.. تُمثل ثورة 21 سبتمبر مشهداً سيادياً، يعيد بناء الدولة ويحمي مقدراتها وسيادتها، وفي ذكراها الثانية عشرة، يتأكد للعالم أجمع أن اليمن عبر مرحلة التبعية بغير رجعة، وأن القرار اليمني أضحى عصياً على الابتزاز بعد أن مضى زمن الإملاءات الخارجية، وأن ثورته الفتية أعادت رسم خارطة التوازنات السيادية في المنطقة، وفرضت يدها القوية على الأرض اليمنية بحرها وبرها وجوها، وإنها قادرة على إيلام المعتدين في عقر دارهم، وترد الصاع صاعين، وتمضي بخطى واثقة وإرادة صلبة نحو استكمال التحرير الشامل واستعادة كل شبر من أرض الوطن والمحافظة على مكتسبات الأمة وكرامتها.

.jpg)



.png)
.png)
