محمد فاضل العزي
يأتي خطابُ السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي (حفظه الله) في افتتاحية شهر ذي الحجّـة ليتجاوز الإطارَ الوعظي التقليدي للمناسبات الدينية، متوجّـهًا نحو صياغة يربط فيه بين الروحانية الإيمانية والواقع الجيوسياسي المعقد للأُمَّـة الإسلامية.
يعتمد الخطابُ على استراتيجية تفكيكِ الخطط الغربية والصهيونية، وإعادة صياغة الوعي الجمعي لمواجهة ما يصفه بـ "حرب التدجين والترويض".
من خلال قراءة تحليلية ومعمقة لمضامين النص، يمكن تفكيك الخطاب إلى أربعة أبعاد رئيسية:
أولًا: توظيف المناسبة الدينية كـ "منصة استنهاض"
بدلًا من حصر الحديث عن فضائلِ عشر ذي الحجّـة وحجّـة الوداع في النطاق التعبدي الفردي، يسارع الخطاب إلى إسقاط هذه المناسبات على الواقع الجماعي للأُمَّـة.
الأبعاد الروحية كوقود للمواجهة: يرى الخطاب أن "الارتقاء الإيماني" هو وسيلة للحصول على "التسديد والمعونة الإلهية" في واقع معقد تعاني فيه الأُمَّــة المسلمة أكثر من غيرها.
ثنائية المظلومية والمسؤولية: يضع الخطاب الأُمَّــة أمام مقارنة حتمية: حجم المخاطر الهائل يفرض حاجة استثنائية للاستفادة من هذه المواسم التعبوية، مما يحول العبادة إلى أدَاة شحن معنوي وسياسي.
ثانيًا: تفكيك "حرب المصطلحات" واختبار الوعي (القرآن نموذجًا)
يمثل هذا الجزء جوهر التحليل السياسي في الخطاب، حَيثُ يتناول ظاهرة الإساءة للقرآن الكريم في الغرب (أمريكا وأُورُوبا) من منظور بنيوي واستراتيجي:
مفهوم "مقياس الحرارة" النفسي: يحلل الخطاب تكرار الإساءَات للمقدسات؛ باعتبَاره خطة صهيونية منظمة وليس مُجَـرّد حوادث عشوائية.
الهدفُ منها هو قياسُ نبض الأُمَّــة وتدجينُها؛ فإذا تلاشت ردودُ الأفعال وتحوّل الحدث إلى "روتين"، يكونُ الأعداءُ قد نجحوا في كسر خط الدفاع النفسي والأخلاقي الأول للمسلمين.
سقوط الأقنعة الغربية: يقدم الخطاب قراءة نقدية حادة للمفاهيم الليبرالية الغربية.
يعقد مقارنة ذكية وصادمة بين سماح الغرب وحمايته لـ "حرق المصاحف" تحت لافتة "حرية التعبير"، وبين قمع الغرب العنيف والوحشي لطلاب وجامعات أمريكا وأُورُوبا لمُجَـرّد تعبيرهم السلمي عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ضد الإبادة الجماعية في غزة.
هذه المقارنة تفضح الازدواجية الغربية وتسقط شرعيتها الأخلاقية.
ثالثًا: جغرافيا القهر والفشل في جبهة الإرادَة
ينتقل الخطاب إلى تشريح الواقع الميداني في فلسطين (القدس، الضفة، وغزة)، ويربطه مباشرة بـ "أزمة الإرادَة" لدى الأنظمة العربية والإسلامية:
فرض الأمر الواقع الصهيوني: يرصد الخطاب تسارع وتيرة التهويد في المسجد الأقصى والتهجير والاستيطان في الضفة، معتبرًا أن غفلة الأُمَّــة هي التي سمحت للعدو بتحويل الجريمة إلى واقع يومي اعتيادي.
نقد "التنسيق الأمني" والعجز الرسمي: يوجّه الخطابُ انتقادًا لاذعًا للسلطة الفلسطينية المتمسكة باتّفاقيات لا يحترمها الاحتلال، كما ينتقد عجز "أمة المليارَي مسلم" عن اتِّخاذ أبسط أسلحة الضغط المتاحة كالمقاطعة الاقتصادية أَو السياسية، معتبرًا أن العجز ليس في "القدرة" وإنما في "الإرادَة"، وهو ما يُطمع الأعداء في ثروات الأُمَّــة ومقدساتها.
رابعًا: الاستثناءُ اليمني ومعادلةُ "الجهاد الشامل"
في الجزء الأخير، يطرح الخطابُ النموذج اليمني كبديل حي للحالة التراجعية التي تعيشها بقية العواصم:
تحويل الموقف إلى مسار بنيوي: يؤكّـد الخطابُ أن الموقفَ اليمني (المسيرات المليونية، المقاطعة الاقتصادية، التعبئة العسكرية) هو "مسار عمل مستدام" يهدف لبناء الأُمَّــة وإخراجها من حالة الجمود، وليس مُجَـرّد رد فعل لحظي ينتهي بانتهاء الحدث.
الربط بالهُوية الإيمانية: يربط الخطاب بشكل وثيق بين نصرة غزة ومواجهة الثلاثي (أمريكا، كِيان الاحتلال، الصهيونية العالمية) وبين مفهوم "الجهاد في سبيل الله"، مما يمنح الموقف السياسي والعسكري غطاءً شرعيًّا وعقائديًّا صُلبًا لا يقبل المساومة أَو التراجع.
خلاصة القراءة التحليلية:
خطاب السيد عبد الملك في هذا النص هو خطاب تحذيري وتعبوي بامتيَاز.
هو لا يكتفي بوصف الداء (حالة الركود والتدجين واعتياد الإهانة)، بل يقدم الدواء من وجهة نظره: العودة الواعية للقرآن الكريم؛ باعتبَاره السلاح الاستراتيجي الأمثل لتحصين الشعوب، والتحَرّك العملي الجاد الذي يدمج بين السلوك الإيماني والموقف العسكري والاقتصادي في جبهة مواجهة شاملة ومُستمرّة.



.png)

.png)
