مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

متابعات../
تقرير|  أنس القاضي
لم تتحرك السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في مسار طبيعي من اهتمام ثم انسحاب، بل أعادت تحديد موقع الإقليم داخل منظومة الهيمنة العالمية، وقد دشّن الرئيس جيمي كارتر عام 1980م هذا التحول حين أعلن أن "الخليج يمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة، وأن أي قوة تحاول السيطرة عليه ستواجَه بالقوة العسكرية". كان ذلك إدراجاً رسمياً للمنطقة داخل البنية الصلبة للأمن القومي الأمريكي، وربطاً مباشراً بين أمن الطاقة وأمن الملاحة واستمرار التفوق الغربي. ومنذ تلك اللحظة شرعت واشنطن بالتمدد العسكري في المنطقة، وثبّتت قواعدها، وحوّلت الخليج إلى بحيرة أمريكية.

بهذا المعنى لم يُنظر للخليج أنه مجرد مصدر طاقة، بل عقدة تحكم في شريان الاقتصاد العالمي، وأصبح الوجود العسكري أداة لضبط المنطقة ومنع أي قوة إقليمية أو دولية من إعادة تشكيله خارج الإرادة الأمريكية.

  • ما بعد الحرب الباردة

لم يُلغِ انتهاء الحرب الباردة المنطق الذي تأسس عام 1980م، بل أعاد توظيفه، فاستبدلت واشنطن بخطاب منع التمدد السوفيتي خطابَ إدارة الأزمات الإقليمية، وكرّست ذلك في حرب عام 1991م حين أعادت رسم قواعد الأمن الخليجي بالقوة، ثم واصلت سياسة الضغط على العراق، ثم وضعت المنطقة في قلب استراتيجيتها بعد أحداث 2001م تحت عنوان "مكافحة الإرهاب". ولم يكن التغيير في جوهر الهدف بل في المبرر المعلن، إذ حافظت على الهيمنة بينما غيّرت اللغة السياسية، وانتقلت من الصراع مع قطب دولي آخر إلى الانخراط في الشؤون والصراعات المحلية داخل هذه الدول، تحت عنوان تصدير الديمقراطية ومكافحة الإرهاب، بما يضمن بقاء الإقليم ضمن هيمنتها.

عندما أعادت إدارة باراك أوباما بين عامي 2009م و2017م توزيع الاهتمام الاستراتيجي تحت عنوان الاستدارة نحو آسيا خلال عامي 2011م و2012م، لم تغادر أمريكا "الشرق الأوسط"، بل خففت مستوى التدخل المباشر وأبقت أدوات الضبط قائمة، فتعاملت مع الإقليم باعتباره مساحة يجب منع انفجارها، وبهذا المعنى أعادت ترتيب المجال الحيوي دون أن تتخلى عنه، وقلّصت الطموح السياسي مع الحفاظ على القوة العسكرية والاستعداد للعدوان العسكري.

  • مرحلة دونالد ترامب 

أعادت إدارة دونالد ترامب صياغة هذا التحول بصورة أكثر صراحة، فوضعت صعود الصين في صدارة التحديات الاستراتيجية، وأعادت التأكيد على أولوية نصف الكرة الغربي بوصفته الامتداد الطبيعي للأمن الأمريكي، فانتقل "الشرق الأوسط" من مركز ثابت في الاستراتيجية إلى موقع يخضع لحسابات الكلفة والعائد، ولم تُخرج واشنطن الإقليم من حسابها، لكنها أعادت تحديد دورها فيه، فلم تعد تسعى إلى إعادة هندسة أنظمته كما فعلت بعد 2001م، بل ركزت على منع انهيار قوتها وتفوق خصومها فيه.

بهذا المعنى انتقلت من مشروع شامل لإعادة تشكيل "الشرق الأوسط الجديد" إلى سياسة ضبط توازنات، تسمح للقوى الإقليمية بالحركة ضمن سقف أمريكي محدد، وتحتفظ بحق التدخل العسكري (العدوان) عند اقتراب أي طرف من تهديد التفوق "الإسرائيلي" أو حرية الملاحة المرتبطة بالكيان أو منظومة الردع الغربية. وأدركت النخبة الأمريكية أن الانغماس الكثيف يستنزف الموارد في لحظة يتقدم فيها التنافس مع الصين، فاختارت إدارة الإقليم بأدوات أقل كلفة، كالعقوبات والتحالفات والردع البحري، دون التخلي عن القدرة على الحسم -من وجهة نظرها- إذا لزم الأمر.

  • ملف الطاقة 

لم يعد اعتماد الولايات المتحدة المباشر على نفط الخليج كما كان في ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن تحولت إلى منتج رئيس بفعل النفط الصخري، غير أن تقليص الاستيراد لا يعني تراجع الأهمية، لأن سوق الطاقة عالمية بطبيعتها، وأي اضطراب في مضيق هرمز أو باب المندب ينعكس على الأسعار العالمية وعلى التضخم والنمو داخل الاقتصاد الأمريكي، ولذلك بقيت واشنطن تعتبر أمن الممرات البحرية جزءاً من أمن النظام الاقتصادي الذي تقوده، ولم تتعامل مع الخليج كمصدر وقود فحسب، بل كرافعة لضبط الإيقاع الاقتصادي الدولي على الهوى الأمريكي.

لهذا أبقت على انتشارها البحري، وواصلت حماية الممرات الحيوية، ولم تتخلَّ عن الخليج، بل أعادت تعريف موقعه من مصدر طاقة مباشر إلى عنصر حاسم في استقرار السوق العالمي، فحافظت على الحضور مع خفض مستوى الطموح السياسي، وانتقلت من إدارة تفصيلية للصراعات إلى إدارة بنيوية للمجال الحيوي، تضمن بقاء الإقليم ضمن المدار الغربي حتى في ظل تغير ترتيب الأولويات العالمية.

  • دوائر الانخراط الأمريكي في الإقليم

لم تُحدِّد واشنطن حدود انخراطها في الشرق الأوسط انطلاقاً من مفهومٍ محايدٍ لـ"الاستقرار" التي ترفعه شعاراً لتدخلاتها، بل رسمت ثلاث دوائر تُعيد إنتاج موازين القوى بما يخدم بنيتها الاستراتيجية العالمية، فجعلت الدائرة الأولى تكريس التفوق الإسرائيلي بوصفه ركناً ثابتاً في بنية الهيمنة الغربية على الإقليم، ولم تكتفِ بحماية "أمن إسرائيل" من تهديد مباشر، بل عملت على ضمان تفوقها النوعي الدائم ومنع تشكّل أي توازن ردعي فعّال يقيّد حركتها. ولذلك لم يُفهم الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي للكيان باعتباره تحالفاً عادياً، بل باعتباره جزءاً من هندسة إقليمية تقوم على إبقاء "إسرائيل" القوة الأقدر على فرض الوقائع وتعديل الحدود والتأثير في القرار الإقليمي دون خشية من كلفة استراتيجية كبرى.

أما الدائرة الثانية فتمثلت في منع أي قوة إقليمية من كسر هذا الاحتكار الاستراتيجي أو إعادة تشكيل المجال الحيوي للمنطقة خارج الإرادة الأمريكية. ولم يُختزل ذلك في مواجهة إيران بوصفها خصماً سياسياً فحسب، بل اتخذ طابعاً أوسع يرفض صعود أي محور قادر على إنتاج استقلالية في القرار الأمني أو الاقتصادي. ولذلك تعاملت واشنطن مع الحضور الإيراني بوصفه تهديداً لما تسميه "بنية التوازن" التي تُبقي الإقليم في حالة اعتماد أمني على الخارج، لا بوصفه مجرد خلاف ثنائي، ففرضت عقوبات، وبنت تحالفات، وأدارت صراعات مُسيطر عليها، وحرصت على منع تحوّل هذا الحضور الإيراني إلى معادلة ردع متكاملة تُغيّر قواعد الاشتباك الإقليمي.

وتجلّت الدائرة الثالثة في ما تسميه "تأمين الممرات البحرية" لا باعتبارها مسارات تجارية فحسب، بل باعتبارها شرايين حيوية للنظام الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة، إذ أدركت أن السيطرة على طرق الطاقة والتجارة تمنحها قدرة على ضبط الإيقاع الاقتصادي العالمي، ولذلك ربطت أمن مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس باستقرار السوق الدولية، ولم تتردد في استخدام القوة البحرية أو تشكيل أطر أمنية متعددة الأطراف للهيمنة على هذه الممرات كما في تحالف "حارس الازدهار"، وعملية "الفارس الخشن" للعدوان على اليمن بين 2023م 2025م، وبذلك جعلت حرية الملاحة جزءاً من هندسة النظام العالمي لا مجرد مسألة تقنية تخص النقل البحري.

داخل هذه الدوائر الثلاث تتحرك واشنطن بصرامة عدوانية، أما خارجها فتُخفف انخراطها المباشر وتدفع الحلفاء لتحمُّل أعباء أكبر، فتنتقل من إدارة يومية للصراعات إلى إدارة توازن عام يضمن بقاء الإقليم ضمن المجال الحيوي الغربي دون انخراط كثيف. وبهذا المعنى لا يعكس التحول الأمريكي انسحاباً من المنطقة بالمعنى الحرفي، بل يعكس انتقالاً من إدارة تفصيلية للصراع إلى إدارة بنيوية له، تحافظ فيها على مفاتيح التفوق الاستراتيجي، وتمنع تشكّل نظام إقليمي مستقل قادر على إعادة صوغ موازين القوى خارج الإطار الذي رسمته.

  • تحوّل في الدرجة لا في الجوهر

لم تتخلَّ الولايات المتحدة عن الأساس الذي أرسته في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، لكنها غيّرت درجته وأدواته، فلم تعد مستعدة لشن حرب شاملة في الخليج كما فعلت عام 1991م، لكنها في الوقت ذاته لم تسمح بأي تطورات إقليمية تُضعف التفوق الإسرائيلي أو تعزز موقع محور المقاومة أو تهدد الممرات البحرية، فنقلت المنطقة من مركز ثابت في بنية الاستراتيجية إلى هامش يُفعَّل وفق مستوى التهديد، وربطت موقع اليمن بمدى تأثيره في هذه التوازنات الأوسع لا بوزنه الذاتي وحده.

فَرَضَ هذا التحول قراءة أكثر واقعية لطبيعة الاهتمام الأمريكي، إذ لم يشهد الإقليم انسحاباً كاملاً، ولم يعد يشهد هيمنة مباشرة كثيفة كما في العقود السابقة، بل دخل مرحلة إدارة غير مباشرة تُحافظ فيها واشنطن على مفاتيح القوة الأساسية، وتُعيد ترتيب أولوياتها وفق صراعها البنيوي الأكبر، دون أن تترك المجال الحيوي الذي رسخته منذ عام 1980م خارج سيطرتها الاستراتيجية.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر