محسن الشامي
في زمن الحروب الهجينة التي تتخذُ من "المعلومة" سلاحًا فتاكًا، تبرز الحاجة الماسَّةُ إلى العودة للمنهج الإلهي الذي يرسمُ ضوابطَ التلقي والنشر.
وقد أولى شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- أهميّةً قصوى لهذا المِلف، معتبرًا أن الجهلَ بضوابط الخبر ليس مُجَـرّد خطأ مهني، هو أيضًا ثغرة أمنية وإيمانية قد تؤدي إلى انهيار أمم بكاملها.
ينطلق هذا المسار من قوله تعالى في سورة النساء:
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}
ومن وحي هذه الآية، يضع شهيدُ القرآن يدَه على الجرح في الدروس الثامن عشر من سورة النساء قائلًا:
"هذا فيما يتعلق بالشائعات، بالأخبار..
يمثل ضابطًا مهمًّا وتوجيهًا مهمًّا بالنسبة للمسلمين؛ لأن قضية الأخبار وإشاعتها قد تكون لها آثارٌ سيئة في أوساط الناس توجد بلبلة وتوجد ضعفًا..
{أَذَاعُوا بِهِ} مثلما تعمل القنواتُ الفضائية والصحفيون، أي خبر يكون همه أنه يستبق إليه ويعلنه قُبَل، هذه غلطة كبيرة جدًّا".
أولًا: فخُّ "الإذاعة" والتهور المعلوماتي
يشخّص شهيد القرآن آفة "السبق الإخباري" التي تجتاح واقعنا اليوم، حَيثُ يصبح الهم الوحيد للناشط أَو الوسيلة الإعلامية هو "إعلان الخبر" دون النظر في عواقبه.
إن هذا الاندفاع يخدم العدوّ من جهتَين:
خلق البلبلة: نشر أخبار الخوف يفتّ في عَضُدِ المجتمع، ونشر أخبار الأمن بتهور قد يكشف خططًا عسكرية أَو أمنية حساسة.
الاستبيان الاستخباراتي: يوضح شهيد القرآن أن الأعداءَ يسرِّبون أخبارًا ليرقبوا ردودَ أفعالنا، وكيف هي مفاهيمُنا، وهل يمكنهم "تأقلم" رؤانا وصناعة الرأي العام لنا بما يخدم مصلحتهم.
ثانيًا: الاستنباط.. المرجعية الواعية
إن المنهجَ الذي رسمه القرآن وأكّـده شهيدُ القرآن هو "الرد إلى أهل الاستنباط" (القيادة والخُبَراء).
فالخبر ليس مُجَـرّد معلومة، هو كذلك مادة تحتاج إلى تحليل: هل هو شائعة؟ وما هو الموقف المناسب منه؟
إن عدم الرد إلى القيادة يجعل المجتمع عُرضةً لـ "المجابر" والتحليلات الفارغة التي لا تخدمُ إلا العدوّ، وتجعل الناسَ يدورون في حلقة مفرغة من القلق والضياع.
ثالثًا: القنوات المعادية وكمائن "تسميم الوعي"
يمتد التحذير ليشملَ أدوات العدوّ الإعلامية؛ فالقنوات الفضائية المعادية ليست مُجَـرّد ناقل للخبر، إنما هي "مختبرات لتلويث الوعي".
الاستدراج والكمائن: تعمد هذه القنوات إلى استدراج الجمهور عبر خلط السم في الدسم، ووضع أخبار صحيحة بجانب أُخرى مضلّلة لزعزعة الثقة بالقيادة والموقف الوطني.
وجوب المقاطعة: المقاطعة هنا واجبةٌ لقطع "خيوط الاستدراج"؛ فالاستمرار في متابعة هذه المنابر المسمومة يؤدِّي إلى استهلاك النفس وتحطيم المعنويات، وهو ما يسعى إليه العدوُّ كتمهيدٍ للاحتلال الميداني.
رابعًا: دور الإعلام الوطني والمجتمع في المواجهة
إن المعركةَ اليومَ هي "معركةُ وعي" بامتيَاز، وتتطلب دورًا تكامليًّا:
دور الإعلام: الانتقال من دور "الناقل التابع الصامت " إلى دور "المستبصِر" الذي يفضحُ ألاعيبَ العدوّ ويوضح للناس مراميَ الأخبار المسرَّبة.
دور المجتمع: الانتقال من دور المتلقي الناقل إلى الارتقاء بمستوى المسؤولية، والكف عن نشر كُـلّ ما يصل عبرَ وسائل التواصل، وإدراك أن كُـلَّ "مشاركة" لخبر مشبوه هي مساهمةٌ في خدمة العدوّ.
وفي الأخير يؤكّـدُ شهيدُ القرآنِ السيدُ حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- أن هذه ليست قضية سهلة أَو مُجَـرّد ترف فكري، وإنما هي قضية وجود قائلًا:
"إن المسألة ليست مُجَـرّد (كلام)، بل قد تترتَّب عليها كوارث،...، قد تكون بعضُ الشائعات وراءها احتلال، وراءها سفك لدمائهم، وراءها تدمير لبيوتهم"
إن التزامَنا بضوابط القرآن الكريم وهدي أعلام الهدى في التعامل مع الخبر، هو الحصن المنيع.
ووعيُك بما تنشر، وما تسمع، وما تقاطع، هو الذي يحدّد ما إذَا كنتَ جنديًّا لله في معركة الدفاع عن أمتك أَو أدَاةً يستخدمُها الأعداء لضرب أمنك وأمتك من الداخل.



.jpg)

.png)

