مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 13 ذو القعدة 1447هـ
تقرير. وديع العبسي
قبل قيام وانتصار الثورة الإيرانية، أطلق الإمام الخميني توصيفه الدقيق على الكيان الإسرائيلي بكونه "غدة سرطانية" زُرعت في جسد الأمة العربية والإسلامية. جاء ذلك على نحو مبكر من التحرك الجهادي للإمام الخميني، فثبّت به حقيقة طبيعية هي العداء للكيان الغاصب، الذي تمرد على كل القيم الإنسانية؛ بدءاً باحتلال أراضي الغير، وليس انتهاءً بالمجازر المستمرة التي يمارسها ضد المدنيين في فلسطين ولبنان.
جاء الوصف بحجم الخطر الذي يمثله الكيان، ليس للمنطقة وحسب، وإنما وللعالم أجمع، لعدة اعتبارات؛ أهمها استراتيجية المنطقة وحساسيتها بالنسبة للعالم، وحالة التمرد التي هي جزء أصيل من تكوينه وتستند إلى خرافات تدعم وتغذي هذا التمرد.
ووفق التحليلات الجيوسياسية، فإن الكيان الإسرائيلي يُعد مصدراً عالي المخاطر والتوترات على المستويين الإقليمي والدولي. وتنطلق هذه المخاطر على أكثر من مسار؛ فمن جهة كشفه عورة المجتمع الدولي باستمراره في ممارسة القتل الممنهج، والتدمير والتهجير في الأراضي المحتلة، ومن جهة ثانية استمراره في احتلال موصوف بكونه أحد أطول وأعنف الاحتلالات العسكرية في العالم، والأكثر تقويضاً لسيادة القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
يرى رئيس الوزراء الإسباني، "بيدرو سانشيز"، بأنه وفي ظل تزايد الانتقادات الأوروبية لسياسات العدو الإسرائيلي، فإن الكيان يمارس "انتهاكاً منهجياً للقانون الدولي" في غزة ولبنان، ما يجعل العالم —حسب سانشيز— مطالباً بالعودة إلى المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون، باعتبار أن "المستقبل والازدهار لا يمكن بناؤهما إلا من خلال احترام هذه القواعد".
-
استنفاد طاقات العالم وجهوده
عاش المجتمع الدولي فعلياً شواهد هذا التمرد منذ نشوء هذا الكيان، وقد استنفد الكثير من طاقات وجهد العالم في استنكار أعمال البلطجة المتكررة التي يمارسها ضد شعوب المنطقة، وفي محاولات إطفاء الحرائق التي يشعلها كل حين وآخر، مهدراً فيها مصالح العالم في هذه الجغرافيا عالية الحيوية.
وخلال ذلك، ساهمت المظلة الأمريكية الحامية له -وبالتوازي ضعف المؤسسة الدولية ومجلس الأمن عن تبني قرارات عملية لردعه- في تصدُّره كحالة استثنائية وكيان فوق القانون، ما عقّد التعامل معه كحالة طبيعية، وإلزامه بتنفيذ القرارات الأممية والمرجعيات القانونية التي يحتكم إليها كل العالم.
-
ازدواجية تحديد ردود الفعل القانوني
مئات الأعمال الإجرامية نفذها العدو الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في أراضيهم المحتلة، وضد العرب لغرض إحكام السيطرة على كل المنطقة. وفضلاً عن كون ذلك يُعد حالة تعدٍّ سافرةً يجرّمها القانون الدولي، فإن في تفاصيل هذه الجرائم ما يجعل العالم أمام كيان لا يرى في منظومة القواعد الدولية إلا كوابح قد تعيقه عن ممارسة أعمال البطش في سياق مخططات الاستيلاء والهيمنة، بالتالي لا يعيرها اهتماماً.
والأكيد أن انعكاس هذه الحالة من التمرد لدى كيان العدو على طبيعة الالتزام بالقواعد، أضعف النظام الدولي وجعل منه مرجعيات تعني فقط دول العالم ولا تعني الكيان، ما ولّد ازدواجية في التقييم وتحديد ردود فعل القانون الدولي المناسبة ضد تجاوزات هذا المرض العضال المسمى بـ "إسرائيل".
في الحالات التي شعر فيها المجتمع الدولي ومجموعة دول "الفيتو" بالحرج من وضعية ازدواج المعايير، أصدر القرارات ضد الكيان، وأقر بحق الفلسطينيين في أرضهم؛ لكنها تبقى قرارات لا تتجاوز الأوراق التي وثّقته ضمن سلسلة طويلة من القرارات لم يرَ أي منها النور.
-
خطر على جهود السلام
تخلص دراسات إلى أن الكيان يمارس التحدي ضد الإرادة الدولية بالتعدي على القوانين والأعراف والمواثيق، وعدم الانصياع للقرارات الأممية واتفاقات السلام. التصنيفات التي وضعها العالم لمنظومة حقوق الإنسان، أكانت العامة أو تلك الفئوية التي تُعنى بالمرأة والطفل والعمال وباقي الحقوق، تبدو بالنسبة للكيان حبراً على ورق ولا تعنيه، ما رفع من مستوى استهجان وإدانة ممارساته المفرطة في الإجرام، وجعله كياناً منبوذاً في دوائر غربية ودولية.
ومع حالة التمدد في كسر هيبة القانون الدولي ومفاهيم السلام والاتفاقات الدولية الهادفة لإحلال الاستقرار وإنهاء التوترات، تبرز بجاحة العدو كلما تعمد استهداف قوات حفظ السلام الدولية، كما هو الحال مع قوات "يونيفل" في لبنان، الأمر الذي ولّد -غير مرةٍ- تهديدات مباشرة لجهود المجتمع الدولي في حفظ السلام والأمن.
-
اتفاق داخلي وخارجي على عنصرية الكيان
ويبقى نظام الفصل العنصري الذي يمارسه العدو في الأراضي المحتلة، والمستهجن من كل شركاء الأرض، شاهداً على عجز المجتمع الدولي عن الدفاع عن النظام العالمي الذي يرفض مثل هذه الممارسات في انتهاك حق المساواة الإنساني وحق تكافؤ الفرص، فضلاً عن حق الاستقلال والحرية. وتؤكد تقارير المنظمات الحقوقية -بما فيها منظمة العفو الدولية- بأن العدو الإسرائيلي يفرض نظام فصل عنصري عنيفاً ضد الفلسطينيين، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان.
تُقر الناشطة العبرية "ميا سول ستولين" بوجود ممارسات عنصرية وتمييزية بحق الفلسطينيين. تقول ستولين: "شارع الشهداء (في مدينة الخليل) مفتوح للإسرائيليين والأجانب، لكن الفلسطيني إذا سار فيه قد يتعرض لإطلاق النار، وهذا يوضح أن ما يجري هو نظام فصل عنصري". في العام 1975 تبنّت الجمعية العامة القرار 3379 باعتبار "الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية"، ثم أُلغي لاحقاً في كانون الأول 1991.
-
الخطر الإسرائيلي لا يقتصر على الفلسطينيين
في كثير من دول العالم -بينها الولايات المتحدة ودول أوروبية تمثل القاعدة المركزية لشرعية الكيان المزعومة- تؤكد الشواهد ونتائج الاستطلاعات الشعبية حالة الانفصال التي تعيشها السلطات السياسية مع قواعدها الجماهيرية عندما يتعلق الأمر بالكيان؛ إذ إن غالبية هذه الشعوب ترى في "إسرائيل" كياناً معقداً في تركيبته، ولا يستطيع التعايش مع ذاته ومع المحيط، الأمر الذي يفسر رغبته الدائمة في شحن الأجواء بأسباب الخلافات والنزاعات.
ويرى مراقبون من هذا الصف أن الخطر الإسرائيلي لا يقتصر على الفلسطينيين أو ممارسة سياسة الإخضاع على الشعوب العربية، وإنما يتعمد أيضاً الإساءة إلى دول الغرب بقصد تحفيزها أو الضغط عليها للتسريع في وصوله إلى مخططاته في المنطقة. ويؤكدون -وفق الطابع السلوكي العدواني للكيان- أن تحقيقه لأهدافه سيشجعه على اختراق المجتمعات الغربية والضغط على أنظمتها للعمل معه.
وهذا الطرح يعزز القناعة بأن تباين المواقف بين هذه الأنظمة وشعوبها مرشح للتطور وصولاً للصدام، وهو أمر شهدته هذه الدول فعلاً خلال السنوات القليلة الماضية في أمريكا، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا وغيرها. وغالباً كان منشأ هذه الأحداث رفض تواطؤ الأنظمة مع الجرائم الإنسانية التي يرتكبها العدو في الأراضي المحتلة، ومطالب بقطع العلاقة معه عسكرياً أو اقتصادياً، فضلاً عن ملاحظة تعامله الاستعلائي حتى مع هذه الأنظمة المتواطئة معه.
-
ابتزاز على طريقة "إبستين"
هذا إلى جانب استغلال النفوذ الصهيوني لوضع السياسات وتوجيهها في بعض هذه الدول، ويحضر في هذا المنحى الأسلوب الدنيء الذي يمارسه اللوبي الصهيوني في الابتزاز وتوجيه القيادات كيفما شاء، وذلك من خلال توريط هذه القيادات في أعمال غير قانونية أو غير أخلاقية، كما حدث مع فضيحة "إبستين" التي مرغت سمعة الكثير بالوحل، وكشفت عن حقيقة من يزعمون قيادة العالم للنماء والتطور والحداثة والحياة الراقية.
يذهب بعض المراقبين إلى أن هناك صحوة غربية لطبيعة العدو الإسرائيلي وما يمثله من بؤرة مخاطر لا تستثني أحداً، ولذلك يعيش العدو عزلة دولية. وإذا كان هذا الواقع لا يبدو قابلاً للتطور مع حالة الارتهان التي تعيشها الأنظمة للوبي الصهيوني، إلا أنه مع ذلك يزيد من الهوة الفاصلة بين هذه الأنظمة وقواعدها الشعبية، ما يهيئ —حسب البعض— لتحولات، ثم انفجار جماهيري ذات يوم يعيد تشكيل الواجهة الغربية عموما.

.jpg)




