مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 22 ذو الحجة 1447هـ
بعد مئة يوم من اندلاع العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن السؤال المطروح في الأوساط السياسية والعسكرية الدولية هو: من الطرف الذي نجح في تحقيق أهدافه الاستراتيجية؟ ومن الذي خرج من الحرب وقد تغيرت مكانته وقدرته على التأثير في معادلات المنطقة؟
هذا السؤال تحديداً هو المعيار الحقيقي الذي تُقاس به نتائج الحروب الكبرى عبر التاريخ، فالجيوش قد تنتصر في معارك ميدانية وتخسر الحرب سياسياً، وقد تتعرض دولة لخسائر بشرية ومادية كبيرة لكنها تخرج أكثر قوة وتأثيراً مما كانت عليه قبل اندلاع الصراع. وعند إسقاط هذا المعيار على الحرب الأخيرة ضد إيران، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فالولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي فشلا في تحقيق الأهداف التي أعلناها منذ اليوم الأول، بينما تمكنت إيران من الحفاظ على ركائز قوتها الأساسية وفرض واقع سياسي وعسكري جديد على المنطقة.
-
حرب بدأت بأوهام القوة وانتهت بحدودها
عندما اتخذت واشنطن و"تل أبيب" قرار الذهاب إلى المواجهة المباشرة مع إيران، كانت الحسابات مبنية على تصور قديم يفترض أن التفوق العسكري والتكنولوجي الهائل قادر على حسم أي مواجهة خلال فترة زمنية قصيرة.
لم تُخفِ الإدارة الأمريكية هذا الاعتقاد، فقد تحدث مجرم الحرب دونالد ترامب مراراً عن إمكانية إخضاع إيران خلال أيام، وروجت وسائل إعلام غربية وإسرائيلية لفكرة أن الجمهورية الإسلامية تعيش حالة إنهاك داخلي تجعلها عاجزة عن تحمل حرب واسعة، كما راهنت مراكز القرار الغربية على أن الضربات العسكرية المكثفة ستدفع الشعب الإيراني إلى الانقلاب على دولته وقيادته، لكن ما جرى على الأرض كشف فجوة كبيرة بين التقديرات النظرية والواقع الفعلي. فبعد أكثر من ثلاثة أشهر من العمليات العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية، لم تسقط الدولة الإيرانية، ولم ينهَر النظام السياسي، ولم تتوقف مؤسسات الحكم عن العمل، ولم يحدث الانفجار الداخلي الذي انتظره خصوم إيران، بل إن المشهد سار في الاتجاه المعاكس تماماً، حيث شهدت البلاد حالة تعبئة وطنية واسعة وتحول العدوان الخارجي إلى عامل إضافي لتعزيز التماسك الداخلي. وهنا تكمن أولى مؤشرات الفشل الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي؛ إذ إن الحرب التي كان يفترض أن تؤدي إلى إضعاف إيران ساهمت عملياً في تعزيز التلاحم الوطني داخلها.
-
سقوط الرهان على إسقاط الجمهورية الإسلامية
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، شكل "إسقاط النظام الإيراني" هدفاً ثابتاً لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وقد اعتقدت واشنطن -في أكثر من محطة- أن الظروف باتت مهيأة لتحقيق هذا الهدف، سواء عبر العقوبات أو الحصار أو الحروب غير المباشرة، فكانت الحرب الأخيرة المحاولة الأكثر وضوحاً وصراحة في هذا الاتجاه. غير أن النتائج جاءت معاكسة تماماً، فالدولة الإيرانية أثبتت أن بنيتها المؤسسية لا تعتمد على الأشخاص بقدر اعتمادها على منظومة متكاملة من المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية والعقائدية، ولذلك، فإن الضربات التي استهدفت قيادات بارزة لم تؤدِّ إلى انهيار منظومة القرار أو شلل مؤسسات الدولة.
وقد شكلت سرعة استعادة التوازن وإعادة تنظيم القدرات العسكرية والسياسية رسالة مهمة إلى خصوم إيران، مفادها أن الجمهورية الإسلامية لم تعد دولة يمكن إسقاطها عبر استهداف شخصيات أو مواقع محددة، بل أصبحت منظومة دولة متماسكة تمتلك القدرة على امتصاص الصدمات ومواصلة العمل تحت أقسى الظروف.
-
من دولة محاصرة إلى قوة ردع إقليمية
لفهم معنى ما حدث خلال الحرب الأخيرة، لا بد من العودة إلى المسار التاريخي الذي قطعته إيران خلال العقود الأربعة الماضية.
في السنوات الأولى بعد الثورة الإسلامية، كانت الجمهورية الإيرانية تواجه حصاراً خانقاً وعزلة دولية شبه كاملة. آنذاك كانت تعاني صعوبات كبيرة حتى في الحصول على أبسط المعدات الدفاعية، وكانت تعتمد بشكل شبه كامل على ما تبقى من ترسانة ما قبل الثورة. في الثمانينيات وصل حال إيران إلى مرحلة لم تكن الدول الكبرى مستعدة خلالها لبيع إيران حتى الأسلاك الشائكة، وحتى الاتحاد السوفياتي السابق كان يمنع مرور المعدات البسيطة عبر أراضيه، واليوم، وبعد أقل من نصف قرن، أصبحت إيران قادرة على إنتاج منظومات صاروخية متطورة وأسلحة استراتيجية وتقنيات عسكرية تشكل عنصر ردع حقيقياً في مواجهة قوتين نوويتين، والأكثر أهمية أن ما يقارب 97% من المعدات الدفاعية الإيرانية يتم إنتاجها داخل البلاد، ما يعني بناء قوة عسكرية عبر الاكتفاء الذاتي والتطوير المحلي المستمر، وليس بالاعتماد على الخارج.
العقوبات والحصار اللذين كان يفترض أن يؤديا إلى إضعاف إيران دفعاها في الاتجاه المعاكس، فقد تحولت سياسة العزل إلى حافز لبناء قاعدة صناعية وعلمية وعسكرية محلية، انتهت بإنتاج منظومات صاروخية متطورة وطائرات مسيرة وتقنيات دفاع جوي وصناعات عسكرية متنوعة.
الحرب الأخيرة قدمت اختباراً عملياً لهذا التحول التاريخي، فإيران لم تدخل المعركة كدولة تعتمد على الدعم الخارجي، بل دولة تمتلك قاعدة إنتاج محلية واسعة، وقدرة على تعويض الخسائر، والاستمرار في المواجهة لفترات طويلة، وهذا ما يفسر لماذا فشلت الولايات المتحدة -رغم تفوقها العسكري الهائل- في فرض إرادتها السياسية على طهران.
لقد أثبتت الحرب أن العقود الماضية لم تنتج مجرد قوة عسكرية، بل أنتجت قدرة استراتيجية على الصمود والاستمرار، وهي القدرة التي غالباً ما تكون العامل الحاسم في الصراعات الكبرى.
-
مضيق هرمز العقدة التي لم تستطع واشنطن حلها
أحد أبرز مؤشرات الفشل الأمريكي يتمثل في استمرار بقاء مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران، فهذا الممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية كان حاضراً في صلب الحسابات العسكرية والسياسية للحرب، وقد سعت واشنطن إلى ضمان حرية الملاحة بصورة كاملة وإبعاد أي تأثير إيراني عن هذا الشريان الحيوي، إلا أن نتائج الحرب أظهرت أن الولايات المتحدة -رغم تفوقها البحري العالمي- لم تتمكن من انتزاع هذه الورقة من يد طهران، وبقي المضيق أحد أهم عناصر القوة الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب، الأمر الذي يعكس حدود القدرة الأمريكية على فرض ترتيبات أمنية أحادية في منطقة الخليج.
-
البرنامج النووي.. الهدف الذي بقي قائماً
إذا كان هناك هدف استراتيجي رئيسي للحرب فهو فرض تسوية نهائية للملف النووي الإيراني وفق الشروط الأمريكية والإسرائيلية، لكن بعد مئة يوم من المواجهة، ما يزال البرنامج النووي يمثل إحدى أهم نقاط الخلاف بين الطرفين، فإيران ما تزال متمسكة بحقها في التخصيب السلمي، وترفض أي صيغة تنتقص من سيادتها العلمية والتكنولوجية، بينما لم تتمكن واشنطن من فرض الشروط التي سعت إليها عند بداية الحرب، وهذا يعني أن الحرب انتهت دون تحقيق الهدف الذي قيل إنه أحد أبرز مبرراتها.
-
التداعيات على الداخل الأمريكي
الحروب لا تُقاس بنتائجها على ساحة القتال فقط، بل أيضاً بتأثيراتها داخل الدول التي تخوضها، وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة من أكثر الأطراف التي تأثرت سياسياً بالحرب، فقد شهدت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية استقالة و إقالة ما يزيد على عشرين مسؤولاً عسكرياً وسياسياً رفيع المستوى، من بينهم:
- رئيس أركان الجيش الأمريكي راندي جورج.
- وزيرة العدل بام بوندي.
- رئيس هيئة الأركان المشتركة تشارلز براون.
- وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم.
- وقائد قيادة التطوير والتدريب في الجيش الأمريكي ديفيد هودن.
هذه التطورات تعكس حجم الاضطراب داخل مؤسسات الحكم الأمريكية نتيجة الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب. فالخلافات داخل المؤسسات الأمريكية تصاعدت بصورة ملحوظة، وبرزت انتقادات متزايدة لسياسات الإدارة الأمريكية، كما ظهرت مؤشرات على تراجع الثقة بجدوى الخيار العسكري وقدرته على تحقيق الأهداف المعلنة.
ومع اتساع الجدل حول كلفة الحرب ونتائجها، أصبح السؤال مطروحاً داخل الولايات المتحدة نفسها حول ما إذا كانت هذه المواجهة قد خدمت المصالح الأمريكية فعلاً أم أنها أضافت أعباء جديدة إلى سلسلة الأزمات التي تواجهها واشنطن في مختلف أنحاء العالم.
-
ولادة توازنات جديدة في المنطقة
النتيجة الأهم للحرب ربما لا تتعلق بإيران أو الولايات المتحدة وحدهما، بل بمستقبل النظام الإقليمي بأكمله، فالحرب كشفت أن مرحلة الهيمنة المطلقة التي كانت تسمح لواشنطن بفرض إرادتها السياسية والعسكرية على المنطقة من دون مقاومة فعالة أصبحت أكثر تعقيداً من السابق.
كما أثبتت أن القوى الإقليمية القادرة على بناء عناصر القوة الذاتية تستطيع فرض حضورها في معادلات الأمن والاستقرار، حتى في مواجهة أقوى الجيوش والتحالفات العسكرية. ومن هنا، فإن الحرب الأخيرة لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد مواجهة عسكرية انتهت أو ستنتهي بوقف إطلاق النار، بل باعتبارها محطة مفصلية كشفت حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية من جهة، وأظهرت حجم التحول الذي شهدته إيران خلال العقود الماضية من جهة أخرى.
-
ما بعد المئة يوم
بعد مرور مئة يوم على الحرب، يمكن القول إن "الشرق الأوسط "دخل مرحلة سياسية جديدة. فالمواجهة العسكرية الواسعة توقفت، لكن الأسئلة التي كشفتها الحرب ما تزال مفتوحة. لقد سقط الرهان على إمكانية إخضاع إيران بالقوة العسكرية، وتراجعت فرضية الحسم السريع التي بنت عليها واشنطن و"تل أبيب" استراتيجيتهما. وفي المقابل، خرجت إيران وهي ما تزال تحتفظ بدولتها ومؤسساتها وقدراتها الأساسية وأوراقها الاستراتيجية.
لهذا السبب يرى كثير من المراقبين أن الانتصار الإيراني لا يكمن فقط في الصمود أمام العدوان، بل في إفشال المشروع السياسي الذي كان يقف خلفه، فالهدف لم يكن مجرد توجيه ضربات عسكرية، بل إعادة رسم توازنات المنطقة، وإخضاع أحد أهم اللاعبين الإقليميين لشروط جديدة.
وبعد مئة يوم من الحرب، يبدو أن ما تحقق على أرض الواقع كان العكس تماماً، فإيران لم تُخضَع، ومحور المقاومة لم يتفكك، بينما اضطرت واشنطن و"تل أبيب" إلى التعامل مع حقيقة أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل الحرب، وأن معادلات القوة فيها أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت تتوقعه غرف القرار الغربية، وهذه ربما تكون النتيجة الاستراتيجية الأعمق للحرب بأكملها.






