مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 20 رمضان 1447هـ
تقرير | يحيى الشامي
دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني لتسجل لحظة تاريخية، من ثمارها الاستراتيجية سقوط أقنعة "الدفاع عن الديمقراطية" و"حماية الحلفاء"، فاسحةً المجال لشاهد العالم جوهر العقيدة الصهيونية المتجلي بالممارسة الفعلية، والمعزز بخطابٍ إمبريالي فجّ، ينسجم ويتواءمُ مع نزعات يهودية صهيونية، تستمد همجيتها من تحريفات توراتية وتخرّصات عقدية، وتعيد إحياء عقيدة "المنتصر يستولي على الغنائم". وما يجري اليوم في إيران من عدوان لا مبرر ولا مستصاغ -وفق كل الأعراف والقوانين الدولية والأبجديات الحقوقية- يرتبط عضوياً بما جرى في فنزويلا وما يخطط له في كوبا، ويحقق نزعة التفوق الصهيوني والاستباحة الكاملة لدول وأنظمة، ويسارع في الوقت ذاته لكسب صراع محموم على موارد الطاقة والمعادن الحيوية في القرن الحادي والعشرين.
-
عقيدةُ "الاستيلاء" من كراكاس إلى طهران
لم يترك الرئيسُ الأمريكي دونالد ترمب مجالاً للتأويل حين صرّح قبل أيام -بحسب رويترز ونيويورك بوست- بأن النفط الفنزويلي بدأ يتدفق فعلياً إلى المصافي الأمريكية في هيوستن، قائلاً بمنطق انتهازي مطلق "ليس لديهم نفط الآن.. نحن نأخذ النفط". هذه العقلية التي طبقتها واشنطن في فنزويلا عبر مصادرة الناقلات والسيطرة على المنشآت، يطمح ترمب دون مواربة لتكرارها في إيران؛ إذ كشفت تقارير "أنباء الصين" (شينخوا)، أن ترمب يبدي اهتماماً بالتعاون الإجباري مع إيران في إنتاج النفط مستقبلاً، تماماً كما فعل مع فنزويلا، مؤكداً في الوقت ذاته إصراره الشخصي في اختيار القائد القادم لإيران لضمان تدفق الثروات نحو الغرب.
الأطماع الأمريكية الفجة المعلنة بوقاحة غير مشهودة تاريخياً وجدت صداها في خطاب وزير الخارجية ماركو روبيو خلال مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2026، حيث دعا -صراحةً- إلى العودة لزمن الهيمنة الغربية، معتبراً تراجع الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية انحرافاً تاريخياً يجب تصحيحه. روبيو لم يتحدث عن حقوق الإنسان، بل ركز في خطابه -وفقاً لـ "جلوبال جورنال بوليس"- على ضرورة الاستحواذ على "المعادن الحرجة"، وإعادة إخضاع الجنوب العالمي كضرورة لحماية "الحضارة الغربية". وهذه التصريحات، على صلافتها وخلوها من الدبلوماسية و اللياقة الضابطة للعلاقات الدولية والأعراف الحاكمة لتموضعات الدول، إلا أنها تعبر عن العقلية الصهيونية التوسعية التي عبّر عنها قادة الصهاينة ومجرموهم الكبار -وآخرهم سفير أمريكا لدى كيان العدو هاكابي- ويعيدونها بين فترة وأخرى بالحديث عن "الشرق الأوسط الجديد"، وتارة عمّا يُسموه بـ "إسرائيل الكبرى"، وجميعها تصريحات تصدر وتتكرر دون أن تهز في العرب حمية.
في هذا السياق، جاء تصريح السيناتور الجمهوري 'ليندسي غراهام' ليشكل إضاءة على الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية في التعامل مع إيران، حيث لم يقتصر حديثه على التحذيرات التقليدية المعتادة في ديباجات البيانات الأمريكية، من خطر النظام الإيراني أو ضرورة الحفاظ على الأمن الإقليمي ونشر الديمقراطية، و و و إلخ، بل تضمن تصريحات واضحة عن الأطماع الصهيونية والأبعاد الاقتصادية والسياسية والخلفيات الدينية للصراع، بما في ذلك السيطرة على موارد الطاقة الحيوية، ومكانة إيران الاستراتيجية في العالم.
علاوة على ذلك، تشير تصريحات غراهام إلى استفحال الأطماع الأمريكية الساعية بكل وقاحة لاستباحة الموارد النفطية العالمية، ما يعكس الرؤية الاستراتيجية الصهيونية الجديدة، الهادفة لتأمين أكبر قدر ممكن من الاحتياطيات النفطية العالمية، والتأثير على موازين القوى الدولية، بما في ذلك منافسة محتملة مع الصين، وتتقاطع هذه الأبعاد الاقتصادية مع التحركات العسكرية المباشرة، حيث دعا غراهام دول الخليج -خاصة السعودية والإمارات- إلى الانخراط المباشر في العمليات العسكرية ضد إيران.
إلى جانب ذلك، وجهت إيران صفعة قوية للمخط الصهيو-أمريكي هي الأثقل منذ بدء العدوان عليها، تمثلت بانتخاب مجتبى خامنئي قائداً أعلى جديداً، وسط تأييد شعبي عارم عكسته مليونيات شعبية ملأت شوارع مختلف المدن الإيرانية.
في هذا السياق، يعبر تصريح غراهام عن حالة صدمة أمريكية من الخطوة الإيرانية العابرة لتوقعاتهم، في لحظة يمكن اعتبارها بأنها تشهد فشل المنظور الأمريكي حول التوازن بين الضغط العسكري والسيطرة الاقتصادية والسياسية، والذي لا يخلو من التأكيد على الأطماع الامريكية والمغامرة بمخاطر تهدد بخسارة واشنطن لمصالح تُفقِدها ما هو أهم، وتُفشل الرؤية الأمريكية من كون المنطقة جزءاً من استراتيجية أوسع لضمان مصالحها على المدى الطويل في الشرق الأوسط وخارجه.
-
أهداف العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران
أثار السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام جدلاً واسعاً بسبب تصريحاته الأخيرة حول الحرب على إيران، حيث تحدث عن أهداف العدوان الأمريكي-الإسرائيلي بطريقة صريحة وغير مسبوقة، مثيرة للجدل على الصعيدين السياسي والإقليمي.
وفقًا لتقارير وول ستريت جورنال، صرح غراهام بأن الحرب على إيران تستحق الإنفاق المالي بهدف إسقاط النظام الإيراني، وقال في مقابلة مع فوكس نيوز:
"عندما ينهار هذا النظام، سيكون لدينا شرق أوسط جديد، وسنحقق أرباحاً هائلة"، وأضاف غراهام، المعروف بدعمه الدائم للتدخل العسكري الأمريكي في الخارج، أنه يرى في الهجوم على إيران والسيطرة على احتياطيات النفط فرصة استراتيجية كبيرة، حيث قال: "فنزويلا وإيران تمتلكان 31% من احتياطيات النفط العالمية، سنحصل على شراكة مع 31% من الاحتياطيات المعروفة، هذه كابوس للصين، هذه استثمار جيد". لكن إيران تدرك مسبقا حقيقة الأطماع الصهيونية، والأهداف التي يسعى الغرب لتحقيقها في بلادهم، حيث اتهمت إيران الولايات المتحدة بمحاولة الاستيلاء على النفط وتقسيم البلاد. في تصريحاته قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل باغائي: "تصميمهم واضح، هدفهم واضح. يسعون لتقسيم بلادنا، للاستيلاء على ثرواتنا النفطية بشكل غير قانوني. هدفهم انتهاك سيادتنا، هزيمة شعبنا وتقويض إنسانيتنا".
-
الهدف الثاني مضيق هرمز
وفيما يتعلق بالتصعيد العسكري، أضاف غراهام أن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على طهران ستتسع خلال الأسبوعين القادمين، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستتصدى لأي تهديد في مضيق هرمز: "لا أحد سيهدد الولايات المتحدة في مضيق هرمز مرة أخرى". وتابع غراهام: "هذا النظام على وشك الانهيار، سيكون على ركبتيه، وعندما يسقط سنشهد سلاماً وازدهاراً لم يسبق له مثيل" حدَّ زعمِه.
دعوة الإمارات والسعودية للمشاركة في الضربات ضد إيران
في المقابلة، دعا غراهام أيضًا الإمارات والسعودية للمشاركة في الضربات ضد إيران قائلاً: "نعم، أريدهم أن يدخلوا في القتال، نحن نبيعهم الأسلحة، إيران تضرب بلادهم، وهم لديهم قدرة جيدة". وتوعّد غراهام إلى أن الإدارة الأمريكية قد تتجه بعد ذلك إلى كوبا، قائلاً بكل وقاحة: "ترقبوا تحرير كوبا، نحن نتقدم في العالم، ونطهره من العناصر السيئة. كوبا هي التالية".
سبق ذلك قيام الحاقد الكافر غراهام بعدة زيارات إلى كيان العدو الإسرائيلي، التقى خلالها بأعضاء الموساد وما يسمى رئيس الوزراء مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، حيث قام "بتدريبه على كيفية الضغط على الرئيس ترامب لاتخاذ إجراء"، بحسب ما أوردته صحيفة جورنال ستريت. وأوضح غراهام أن نتنياهو عرض معلومات استخباراتية على ترامب أقنعته بإطلاق الحرب المشتركة على إيران، وسط ادعاءات إسرائيلية طويلة الأمد بأن طهران تسعى لبناء أسلحة نووية، بينما تؤكد إيران أن برنامجها النووي لأغراض مدنية فقط.
-
التطبيع مع السعودية
السيناتور الأمريكي الجمهوري ليندسي غراهام أعرب أيضاً عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين كيان العدو الإسرائيلي والسعودية قبل نهاية العام، مؤكداً أنه تحدث مع ما يسمى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول هذا الموضوع، وهي مساع تأتي في سياق توسيع نطاق اتفاقات إبراهام، التي وقعت خلال ولاية ترامب الأولى، والتي أدت سابقاً إلى تطبيع العلاقات بين الكيان وكل من الإمارات والبحرين والمغرب. وأعرب غراهام عن ثقته بأن انضمام السعودية ممكن، كما أشار إلى دعم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للاتفاق، مشدداً على أن عدم التوصل إليه -التطبيع- قد يؤثر سلباً على أهدافه -بن سلمان- الاقتصادية.
-
ليندسي غراهام: "إسرائيل" غرفة عمليات الإمبراطورية
وفي قلب هذه المهزلة -الجارية للأسف على أرض الواقع بمعزل عن سُبات العرب وغفلة المسلمين- تتواصل التصريحات بموازاة التنفيذ، أحدثها تصريحات السيناتور ليندسي غراهام، وهي الأكثر كشفاً عن جوهر الصراع، والتي جدد فيها التأكيد على أن الحرب، في جوهرها وفحواها الحقيقية، هي "حرب توراتية دينية".
ولا تكشف تصريحات غراهام جديداً بقدر ما تعبر عن العقلية الصهيونية المتحكمة بالإدارة الأمريكية، والمُسيِّرة لها نحو تحقيق المصالح الصهيونية في العالم. فبالعودة إلى مذكرات جون بولتون (مستشار الأمن القومي السابق)، نجد أن عقلية "نهب الموارد" كانت المحرك الأساسي للحروب الأمريكية التوسعية، وهو ما يفسر "غزوات أمريكا" الأخيرة، من بينها السيطرة على فنزويلا، حيث اعتبر ترامب غزوها "أمراً رائعاً" لكونها تمتلك أضخم احتياطيات نفط في العالم.
هذا الربط يمتد إلى تصريحات الجنرال لورا ريتشاردسون (قائد القيادة الجنوبية) التي تحدثت بوضوح عن "مثلث الليثيوم" في أمريكا الجنوبية كقضية أمن قومي أمريكي. اليوم، يتم تطبيق ذات المنهج على إيران وكوبا؛ حيث يتم خنق الشعوب اقتصادياً، ليس بهدف تحقيق ما يسميه الأمريكيون بـ "التغيير الديمقراطي"، بل لضمان ألا تخرج هذه الموارد عن السيطرة الأمريكية.
غراهام -الذي التقى المجرم بنيامين نتنياهو- أعلن صراحة أن "حروب المستقبل تُخطَّط هنا في إسرائيل"، واصفاً التعاون العسكري بأنه "مشروع مانهاتن للقرن الحادي والعشرين". غراهام لم يكتفِ بالتنظير العسكري، بل كشف المحرك المالي لهذه الحرب حين اعترف بأن إيران تمتلك موارد معدنية (ليثيوم ونحاس وذهب) تقدر قيمتها بـ تريليون دولار، مؤكداً أن السيطرة على هذه الموارد هي السبيل الوحيد لتعويض تكاليف الحرب الاستنزافية.
قبل شهر تقريباً، كانت لغراهام تصريحات مماثلة تزامنت مع "بيان استعماري" أطلقه وزير الخارجية ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن، والتي دعا فيها صراحة إلى العودة لعصر الهيمنة الغربية على الجنوب العالمي، واصفاً مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وصعود حركات التحرر بأنها "انحراف تاريخي يجب تصحيحه". وهو خطاب يمثل "الغطاء الفلسفي" للعقلية الصهيونية؛ إذ يشرعن الإبادة الجماعية، والحصار، والاستغلال، وتدمير الشعوب طالما أن هذا يخدم استعادة "الهيبة الغربية"، فالحصار على كوبا والمجازر في غزة ليست أحداثاً منفصلة، بل هي أعراض لـ"بنية حضارية" ترى في سيادة شعوب الجنوب "خروجاً عن النص، وهو يرقى لمستوى اعتراف يمنحنا تفسيراً لحالة التناقض في الدعاية الأمريكية؛ فبينما تدعي واشنطن أنها جاءت لحماية الخليج، يكشف قادة أمريكا الجُدد الأهدافَ الصهيونية لأمريكا شريكة الكيان بلا رتوش أو مساحيق تجميل، ويبرر لِمَ تقبل واشنطن بمخاطرة القتال وتعريض جنودها الأمريكيين للصواريخ الإيرانية. فهو "خيار استراتيجي" لتحقيق الأطماع الصهيونية الإمبراطورية، والوصول إلى الغنائم.
-
ذكاء الردع الإيراني وفشل "الحماية" الأمريكية
في المقابل، أثبتت طهران ذكاءً ميدانياً في استغلال نقاط الضعف في هذه العقيدة الإمبريالية. ففي غضون أيام من بدء العدوان عليها، نجحت إيران في شل مضيق هرمز بنسبة 90% (وفق تقديرات غولدمان ساكس)، محولةً الحرب إلى عبء مالي باهظ على الخزانة الأمريكية التي تنفق 891 مليون دولار يومياً. لم يقتصر الردع الإيراني على النفط، بل طال المصالح الأمريكية في 9 دول عربية تحتضن قواعد ومصالح أمريكية، وقد أعاد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني توجيه رسالة حازمة: "أي استخدام للقواعد الأمريكية في المنطقة ضدنا سيبقي المصالح الأمريكية في دائرة الاستهداف".
عجز "المظلة الأمريكية" يتبدّى أكثر مع دعوة مسؤولين أمريكيين للأنظمة العربية للانخراط في الحرب، كاشفاً في الوقت ذاته حقيقة أن واشنطن -التي تعجز عن حماية قواعدها العسكرية من الضربات الإيرانية- لن تكون قادرة على حماية حلفائها. وفي حين تكتفي الجامعة العربية بـ "قمم تلفزيونية" وإدانات عوجاء تتجاهل من بدأ العدوان، تواصل إيران توجيه رسائلها الردعية، مؤكدةً أن دائرة التصعيد ستتسع تجاه المصالح الأمريكية حصراً، ما لم يتوقف النزيف.
-
إمبراطورية الدم تسعى للاستباحة بالمكشوف
المقارنة بين ما تفعله واشنطن في فنزويلا وما تحاول فعله اليوم في إيران وتنوي فعله في كوبا تكشف عن بنية حضارية مأزومة تنحط أكثر في مزالق الصهيونية، كما تصفها المحللة كايتلين جونستون: بنية تعود لجوهرها الكلاسيكي القائم على الإخضاع بالقوة، والاستغلال بلا حدود، آخر فصولها هي الحرب على إيران. ومع وصول سعر برميل النفط إلى 90.90 دولاراً وتوقعات باركليز بوصوله لـ 120 دولاراً، يبدو أن الأطماع الأمريكية التي عبر عنها غراهام وترمب وروبيو قد تصطدم بواقع اقتصادي ينهي أسطورة الهيمنة المطلقة، ليثبت أن "المنتصر" في حروب الموارد قد لا يكون هو من يملك القوة النارية، بل من يملك القدرة على الصمود في وجه الزلزال المالي الذي أحدثه الصراع، وأجادت إيران استخدامه بذكاء وتوجيهه في وجه المعتدين والصامتين على العدوان على حدٍ سواء.

.jpg)




