مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 15 شعبان 1447هـ
من تحت ركام الهدنة الهشة وفي ظلال سياسةٍ صهيونية لا تقرُّ بغير سحق الوجود الفلسطيني، تطلُّ فصول الإبادة الجماعية في قطاع غزة بوجهها الأكثر سادية؛ حيث تتشابك خيوط الحصار الخانق مع هندسة التنكيل الممنهج على المعابر، في ظل خطابٍ صهيوني مسكونٍ بنرجسية القوة وشهوة الانتقام. وبينما تسعى آلة الدعاية الصهيو-أمريكية لتسويق "التهدئة" كستارٍ لانحسار الوجع، تكشف الوقائع الميدانية وفاتورة الدم التي لا تتوقف عن استراتيجيةٍ تتجاوز حدود العسكرة إلى المحو الديموغرافي الشامل؛ فلا تكتفي بملاحقة المواطن في خيمته، بل تمتد لتغتال الجنين في رحم أمه، وتفتك بالجريح في أنينه، وتنتهك حرمة الشهيد في قبره. إنها المعركة الوجودية الكبرى، التي يواجه فيها الإباء الفلسطيني ترسانة من أدوات البطش الصهيوني المعتمدة على صمتٍ دوليٍ مريب.
-
جحيمُ الانتظار وساديةُ المحو
وفي تراجيديٍة تختصر فظاعة العدوان الصهيو-أمريكي لم تعد فاتورة الدم في قطاع غزة تقتصر على حصد الأرواح فوق الأرض، بل امتدت يد الغدر الصهيونية لتصفي المستقبل الفلسطيني في مهده، محولةً أرحام الأمهات إلى ساحة استهدافٍ مباشر ضمن استراتيجية "المحو الديموغرافي" الممنهجة. فبينما يواصل العدو الإسرائيلي خروقاته التي بلغت 1450 خرقاً لاتفاق أكتوبر 2025، كشف مدير عام وزارة الصحة، منير البرش، عن انخفاض معدلات الولادة بنسبة 11% خلال عام 2025، حيث وُلد نحو 50 ألف طفل فقط في بيئةٍ تفتقر لأدنى مقومات البقاء، في حين قفزت حالات الوفاة داخل الأرحام إلى 616 حالة، وهو ضعف المعدلات السابقة، في قتلٍ صامت للأجيال يباركُه العالم بصمته وتسليحه.
وتتجسد سادية الكيان الصهيوني في أبشع صورها بما كشفه "البرش" من انتهاكاتٍ لم تقف عند سلب الأرواح، بل امتدت لتطال كرامة الجثامين عبر سرقة كلى الشهداء والتنكيل بأجسادهم التي تُختطف من المقابر وتُعاد لاحقاً بشكلٍ مهين، في سلوكٍ إجرامي يعكس حقيقة العقيدة الصهيونية. وتكتمل حلقة هذا الإطباق الجنائي بقرار إنهاء نشاط منظمة "أطباء بلا حدود" وإجبارها على المغادرة بحلول 28 فبراير الجاري، وهو ما يهدد بحرمان نحو نصف مليون فلسطيني من الرعاية الصحية، إمعاناً في سياسة تجفيف منابع الإغاثة وتفريغ الأرض من سبل النجاة.
وعلى جبهة المعابر يستمر "الموات السريري" الذي يفرضه الحصار المطبق؛ إذ أكد مدير مجمع ناصر الطبي، عاطف الحوت، أن بوابة معبر رفح لا تزال موصدة في وجه أنين 20 ألف جريح ومريض يواجهون حكماً مؤجلاً بالإعدام، مفنداً "بروباغندا" الاحتلال التي روّجت لعمليات إجلاء وهمية؛ إذ لم يعتمد الكيان سوى 5 أسماء فقط من أصل قائمة تضم 27 حالة حرجة، دون أن تغادر حالة واحدة حتى اللحظة. هذا التعنت الصهيوني يأتي في وقت سجلت فيه وزارة الصحة وجود 22 ألف حالة ملحة تترقب الخلاص، بينما أشار المستشار الإعلامي لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، طاهر النونو، إلى وجود 15 ألف مصاب بحاجة ماسة للعلاج الفوري، مؤكداً أن معركة تشغيل المعبر هي معركة إرادة لكسر القيد الإنساني المفروض من قبل العدو الإسرائيلي الذي يسعى لاستمرار الحرب.
إن الأرقام الصادمة التي أظهرتها دراسة "الغارديان" البريطانية، والتي أكدت انخفاض سكان غزة بنحو 254 ألف نسمة (بنسبة 10.6%)، تضع "الهدنة" المزعومة في سياقها الحقيقي كغطاء لاستمرار الإبادة، حيث أكدت وزارة الصحة بغزة أن حصيلة الضحايا منذ إعلان وقف إطلاق النار في غزة 11 أكتوبر ارتفعت 529 شهيدا و1,462 جريحا، وانتشال 717 جثمانا لترتفع حصيلة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى 71,803 شهداء و171,570 جريحا.
إنها حرب محوٍ شامل، بلغت تكلفتها التقديرية لإعادة الإعمار 70 مليار دولار، وتستهدف شطب الوجود الفلسطيني من السجل التاريخي، في ظل قانون دولي وصل إلى نقطة الانهيار أمام تفشي جرائم الحرب التي تُرتكب بإفلاتٍ تام من العقاب.
-
رفح معبرٌ للترويع وهندسة التنكيل
في مشهدٍ يجسد ذروة الإجرام الصهيوني، تحول معبر رفح من شريان حياة إلى ثكنة عسكرية محصنة بتقنيات الرقابة وسادية التحقيق، حيث لم يكن إعلان تشغيله التجريبي سوى واجهة لتعزيز قبضة العدو الأمنية وإحكام الحصار الخانق.
وأعلن الأحد مطلع شهر فبراير الجاري، فتح معبر رفح البري بشكل تجريبي، للمرة الأولى منذ احتلال مدينة رفح في 7 مايو2024، وإغلاق المعبر منذ ذلك الوقت بالكامل أمام المواطنين بمن فيهم الحالات الإنسانية. وجاء فتح المعبر مشروطًا برقابة أمنية متعددة المستويات.
بموجب ما هو معلن يتوجب رفع أسماء المسافرين يوميا إلى مصر، على أن تُرسل الأسماء لاحقًا إلى جهاز “الشاباك” الصهيوني للحصول على الموافقة الأمنية، ويشرف العدو الإسرائيلي على المغادرين عن بُعد باستخدام كاميرات المراقبة وتقنيات التعرّف على الوجوه.
وسيخضع المسافرون للتفتيش من أفراد بعثة الاتحاد الأوروبي، وبمشاركة عناصر أمنية فلسطينية يعملون نيابة عن السلطة الفلسطينية، في حين يتحكم العدو الإسرائيلي بفتح وإغلاق البوابات عبر ما يُعرف بـ”زر التحكم”.
أما حركة الدخول إلى قطاع غزة، فتخضع -بدورها- لإجراءات صارمة تشمل تفتيشًا دقيقًا عند نقطة تفتيش تابعة للعدو الإسرائيلي.
-
تحقيقات وتهديدات
وقالت سيدة من بين العائدات -في مقاطع مصوّرة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي- إن الجنود الصهاينة أخضعوها، برفقة والدتها وسيدة أخرى، لتحقيق قاس استمر ساعات. وأوضحت أن الصهاينة قاموا بتعصيب أعينهن وربط أيديهن قبل استجوابهن حول قضايا لا علاقة لهن بها، مضيفة أن أحد المحققين هدّدها بحرمانها من أطفالها، في محاولة لإجبارها على التعاون معهم.
وأضافت: “تحدثوا معنا عن الهجرة، كانوا يضغطون حتى لا نعود، يريدون إفراغ غزة من سكانها، وسألونا عن حماس وما جرى في السابع من أكتوبر 2023”. وأشارت إلى أن الصهاينة منعوهم من إدخال أي مقتنيات، باستثناء حقيبة ملابس واحدة لكل شخص، وصادروا الأطعمة والعطور والأغراض الشخصية وألعاب الأطفال، في إجراءات تهدف للإذلال المتعمد.
وقالت إن أكثر اللحظات قسوة تمثلت في انتزاع لعبة طفلتها ومنعها من إدخالها إلى غزة، في مشهد ترك أثراً نفسياً بالغاً في الأطفال والنساء، وأكدت أن الرسالة التي تلقوها كانت واضحة: “لا يريدون لنا أن نعود”، قبل أن تطلق صرخة تحذير دعت فيها الفلسطينيين إلى عدم مغادرة القطاع، قائلة: “لا للتهجير”.
مركز غزة لحقوق الإنسان أكد أن العدو الصهيوني فرض تحكمًا مباشرًا في قوائم المسافرين، والذين اقتصر عددهم على 12 شخصا فقط، مؤكدا أنه وثق اعتقال ثلاث نساء وتقييد أيديهن لعدة ساعات، ثم نقلهن إلى مكان تواجد العدو الإسرائيلي واحتجازهن لساعات للتحقيق في سبب عودتهن ومواقفهن السياسية.
وفي إفادتها قالت سيدة: “أخذوني أنا ووالدتي وسيدة ثالثة، غموا أعيننا وقيدوا أيدينا وسألونا عن أمور لا نعرف عنها شيئا، وحقق مع السيدة وطلب منها أن تتعاون معهم وتزودهم بمعلومات”.
-
ختاما
في المحصلة، تتهاوى سردية الهدنة أمام ثقل الوقائع، لتنكشف كآلية خداع صهيوني تُدار فوق ركام الأجساد، وتحت غطاءٍ دوليٍّ أعمى عن الحقيقة أو متواطئٍ معها، فما يجري في غزة تتويج لعقيدة قائمة على الإبادة الممنهجة، وتجفيف مقومات الحياة، وتحويل المعابر من منافذ نجاة إلى أدوات إذلال وكسر إرادة. رفح لم تعد معبرًا، بل مختبرًا لإدارة الخنق، ومرآةً لسياسةٍ تسعى لإفراغ الأرض من أهلها عبر الجوع والمرض والرعب والابتزاز النفسي.
ومع ذلك، وعلى الرغم من فداحة الخسائر واتساع رقعة الألم، يظل الوجود الفلسطيني عصيًّا على المحو، متجذرًا في الأرض بقدر ما هو راسخ في الوعي، فكل طفل يُنتزع حقه في الحياة، وكل جريح يُمنع من العلاج، وكل امرأة تُهان على بوابة معبر، إنما يضيف سطرًا جديدًا في سجل الإجرام الصهيوني ومن يقف خلفه، إنها معركة إرادة قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة بقاء في وجه مشروعٍ لا يرى في الفلسطيني إلا رقمًا فائضًا عن الحاجة.






