مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 4 صفر 1448هـ
في مشهدٍ لا يشبه إلا ذاته، خرج اليمنيون يوم الجمعة ليرسموا بأنامل النور والإباء لوحةً استثنائيةً في سجل الشعوب الحرة. أكثر من (1380) ساحة احتشاد في مختلف المحافظات كانت إعلاناً صريحاً بأن زمن الصمت قد ولى إلى غير رجعة، وبأن أرض الإيمان والحكمة ترفض أن تكون رقعة شطرنج في اللعبة القذرة للصهيونية وأدواتها وعلى العدو السعودي أن يعي تبعات تعنته واستمراره في الإجرام.
لقد فاضت الساحات بالملايين، لأن الألم تراكم في صدورهم حتى صار بركاناً لا بد أن ينفجر. كل وجهٍ هناك يحمل قصة حرمان، كل عينٍ تروي حكاية وجعٍ ممتد عبر اثنا عشر عاماً من الخنق المنظم. الأب الذي لم يستطع أن يودع ابنه المسافر لأن المطارات مغلقة بأمر من الرياض، العامل الذي تحول راتبه إلى رقمٍ في دفتر الذاكرة كل هؤلاء التقوا في لحظةٍ فارقة، ليقولوا بصوتٍ واحد: كفى أيها النظام الخسيس، فليس من الإيمان أن يستعبدنا نظام هو في ذاته عبد للأمريكي والإسرائيلي.
-
كرامة الشعب لا تقبل المساومة
من يتابع المشهد من خلف الشاشات قد لا يدرك عمق التحول الذي يحدث في الروح اليمنية، نحن أمام شعبٍ أعاد تعريف القوة، وأثبت أن الجبروت العسكري لا يصنع النصر، وأن الإرادة الجماعية قادرة على هزيمة أعتى التحالفات. ها هي تتهاوى آمال العدوان أمام سيول البشر التي اكتسحت كل شارع وكل زقاق، في رسالة تقول إن اليمني لا يُقرأ من بعيد، ولا يُفهم من خلال تقارير المخابرات، بل يُلمس وجعاً ويُعاش أملاً.
إن المتأمل في المشهد يدرك أن ثمة لحظةً فارقة قد تشكلت، اللحظة التي ينتقل فيها شعبٌ من طور الدفاع إلى طور المبادرة، من مربع الصبر إلى مربع الحسم. إن المسألة باتت مسألة وجود وعزة وكرامة، اليمني يرى أن حريته تسلب منه كل يوم، فكيف له أن يبقى مكتوف اليدين؟
-
مخاض العزة في زمن الاستباحة
لعلّ ما أذهل العالم في هذا المشهد هو التناقض الصارخ بين حجم المعاناة وحجم الصلابةن شعبٌ محاصرٌ اقتصادياً، ممنوعٌ جوياً، مستهدفٌ في لقمة عيشه وفي دوائه وفي تعليمه، ومع ذلك يخرج ليقول لمن للعدو السعودي الذي يحاصره: نحن هنا، لم ننكسر، ولن تنكسر لنا راية وسترى منا ما يركعك ويهين كرامتك وينهي غرورك.
إن الذين يظنون أن الحصار يصنع الاستسلام مخطئون، الحصار حين يطول يتحول إلى وقود، والمعاناة حين تتراكم تصبح طاقةً للانطلاق. لقد حاولوا أن يجعلوا من اليمن سجناً كبيراً، فإذا بالسجناء يحولون جدران السجن إلى منصات إعلان للحرية، حاولوا أن يخنقوا الصوت، فإذا بالصوت يصبح زئيراً يزلزل العروش.
هكذا ضن السعودي أن الحصار سيجعل الشعب يثور ضد السلطة ويرتمي في أحضان العمالة، فإذا بالمشهد ينقلب رأسا على عقب: لقد اصطف الجميع قيادة وشعبا. الجميع لبس لامة الحرب ولا مطلب له سوى الحرب للاقتصاص من العدو، كل هذه الحشود كانت بمثابة خلاصة مؤامرات 12 عاما، فالشعب الذي ظن العدو السعودي أنه سيركع ها هو يعلنها بكل وضوح ودون مواربة: نريد الحرب ولا شيء غيره فالعدو السعودي لا يعرف إلا لغة القوة فليتحمل التبعات.
-
رسالة إلى ما وراء الحدود
لم تكن حشود الجمعة موجّهةً إلى جهةٍ بعينها فحسب، بل كانت بياناً عالميا بأن عصر الاستعمار الجديد إلى زوال، إلى كل من راهن على إخضاع هذا الشعب، نقول: أخطأتم العنوان. اليمني الذي صمد في وجه أعتى الإمبراطوريات عبر التاريخ لا يمكن أن تركعه قلةٌ من المرتزقة وأسيادهم.
إن الذين ظنوا أن بمقدورهم التحكم في منافذ اليمن البرية والبحرية والجوية، عليهم أن يقرأوا التاريخ جيداً. اليمن الذي كان ممراً إلى العالم، لا يمكن أن يكون ساحةً للإذلال، هذه الأرض التي شهدت أولى ممالك الجزيرة العربية، والتي وقف ملوكها في وجه الرومان والفرس، ترفض اليوم أن تكون حديقةً خلفيةً لأحد.
-
فلسطين في القلب، والقدس في الضمير
في وسط هذا الزخم، كانت راية فلسطين ترفرف عالياً، لتؤكد أن اليمني لا يعيش جرحه وحده، بل يحمل جراح الأمة كلها، لقد أثبت أصحاب الأرض في اليمن أن إيمانهم بعدالة القضية الفلسطينية هو عقيدةٌ راسخة، وهم المحاصرون بأنفسهم، خرجوا ليقولوا: غزة لست وحدها وهذا هو الإيمان حين يتجسد فعلاً لا قولاً، وهذا هو الإخاء الإنساني في أبهى صوره.
إن المفارقة التي أربكت كثيرين هي أن شعباً يعاني الحصار ويقاسي ويلاته، هو ذاته الذي يرفض أن يسكت عن حصار غزة، ويعلنها صريحةً أن القضية الفلسطينية هي بوصلته الأخلاقية، هذا الموقف لا يحتاج إلى تحليل، بل يحتاج إلى احترام فليس كل جائع يستطيع أن يسمع أنين جائعٍ آخر، وليس كل محاصرٍ يستطيع أن يشعر بمعاناة محاصرين آخرين لكن اليمني يفعل ذلك، وبكل كبرياء.
-
شراكة الدم والمصير
لا يمكن الحديث عن هذا المشهد بمعزل عن الدم الذي امتزج على ثرى اليمن وفلسطين ولبنان، إن محور المقاومة هو حالة وجودية تجمع كل من رفض الاستعباد. اليمنيون بموقفهم هذا يؤكدون انتماءهم العميق لهذا المحور، لا انطلاقاً من حسابات ضيقة، بل من قناعةٍ راسخةٍ بأن المعركة واحدة، والعدو واحد، والنصر واحد.
وحين نتحدث عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإننا نتحدث عن دولةٍ أثبتت أن دعمها للمستضعفين هو مبدأٌ تنهض عليه سياستها الخارجية، في الوقت الذي كانت المطارات اليمنية مغلقةً بقرار التحالف، كانت الطائرات الإيرانية تحاول كسر هذا الجدار، في رسالة واضحة أن ثمة فرقاً شاسعاً بين من يقتل الناس جوعاً ومن يحاول إنقاذهم.
-
نحو فجرٍ يمانيٍ قادم
إن من يقرأ المشهد بعمق يدرك أن ما حدث هو بداية المطاف، الشعب الذي خرج بهذا الزخم، والذي فوّض قيادته بهذا الإجماع، لن يعود إلى الوراء، الخطوات القادمة محسوبة، والقرارات المقبلة ستكون على مستوى التضحيات التي قُدمت، لقد آن الأوان لأن يستعيد اليمن مكانته الطبيعية، كدولةٍ مركزيةٍ في معادلات المنطقة، دولةٌ تملك قرارها وثرواتها وسيادتها كاملةً غير منقوصة.
لقد أعلن اليمنيون، بلغةٍ لا تقبل التأويل، أنهم دخلوا زمن الحسم. زمنٌ لا مكان فيه للمناورات ولا لسياسات كسب الوقت، المطالب واضحة: رفع الحصار كاملاً، استعادة الثروات المنهوبة، فتح المطارات والموانئ دون قيد أو شرط، والاعتراف بأن اليمن ليس ولايةً تابعةً لأحد.
-
الخاتمة: حين يتكلم الإعصار
في الأخير، لا يمكن إلا أن نقف إجلالاً لهذا الشعب الذي حوّل معاناته إلى ملحمة. شعبٌ يرفض أن يُكتب له دور الضحية، ويصر على أن يكون صانعاً للتاريخ لا مفعولاً به. شعبٌ يقول للعالم: نحن هنا، وسنبقى هنا، ولن يمر عليكم زمانٌ إلا وتذكرون أن في جنوب الجزيرة العربية قوماً لا تلين قناتهم، ولا تخبو جذوتهم، ولا تنكسر إرادتهم.
إن ما شهده اليمن يوم الجمعة كان إعلاناً بأن المخاض قد بلغ مداه، وبأن الفجر اليماني قادمٌ لا محالة. فجرٌ تشرق فيه شمس الحرية على كل وادٍ وكل جبلٍ وكل سهل، فجرٌ يكتب فيه اليمنيون بأنفسهم دستور عزتهم، ويرسمون فيه حدود كرامتهم، ويبنون فيه وطناً يستحق أن يُفدى بالأرواح.
وما على العدو السعودي إلا أن يراجع حساباته فكل أوراقه سقطت وكل رهاناته بائت بالفشل، وما يجب أن تدركه الرياض أن كلفة الرضوخ للشعب اليمني أقل من كلفة الاستكبار عليه.


.jpg)

.png)

.jpg)