مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
اتفاق مكة  السعودي التركي الباكستاني طبيعته وتداعياته على اليمن

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية – متابعات – 28 صفر 1448هـ             
تحليل/ أنس القاضي
تتنقل السعودية من تحالف لآخر، علها تُفلت من أزمة أمنية صنعتها بعدوانها على اليمن، أزمة أمنية لا معالجة حقيقية لها إلا بوقف عدوانها ورفع حصارها، والإيفاء باستحقاقات الشعب اليمني في السلام وإعادة الإعمار والتعويض والرواتب وغيرها من الاستحقاقات المشروعة.
قبل الاتفاق الثلاثي الأخير الذي جرى في السابع من شهر أغسطس الجاري، كانت قد وقّعت السعودية وباكستان -في سبتمبر 2025م- اتفاقية دفاع استراتيجي متبادل تضمنت صيغة قريبة من اتفاق مكة، باعتبار الاعتداء على إحداهما اعتداءً عليهما معاً، وفعّلتا جانباً منها بنشر قوات ومقاتلات وطائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي باكستانية في السعودية. أما المفاوضات الثلاثية التي أنتجت الاتفاقية الأخيرة  فكانت منفصلة عن الاتفاق الثنائي، وبدأت قبل نحو عام، ثم اكتملت بانضمام تركيا، وهم بذلك أرادوا توسيع الشراكة السعودية الباكستانية من علاقة ثنائية قائمة على التدريب والانتشار العسكري والتمويل، إلى ترتيب يجمع المال السعودي بالخبرة الباكستانية والصناعة العسكرية التركية.
حتى الآن لا يزال النص الكامل للاتفاق غير منشور، ويقتصر على ما اطلع عليه الجمهور المتابع في البيان المشترك وتصريحات المسؤولين، ولا تتوفر معلومات عن تعريف "الهجوم المسلح"، و"النطاق الجغرافي للالتزام"، ونوع المساعدة، وآلية إعلان تفعيل الاتفاق، والقيادة المشتركة، والقوات الدائمة، والتمويل، والتصديق القانوني والانسحاب. كما لا توجد إشارة رسمية إلى مظلة نووية باكستانية، وأكدت تركيا طابعه الدفاعي وانفتاحه أمام دول أخرى.
تمنح صيغة "الدفاع المتبادل" الاتفاقَ قيمة سياسية وردعية، لكن غياب الآليات المعلنة يمنع مساواته بحلف شمال الأطلسي، فقوة الحلف الغربي نتجت عن عقود من القيادة والتخطيط والمناورات والقواعد والميزانيات والتوافق العملياتي والسياسي والايديولوجي والاقتصادي، وليس عن بند الدفاع الجماعي وحده، وفي المقابل لا يصح اختزال اتفاق مكة في بيان رمزي، لأن التعاون العسكري السابق أنتج انتشاراً باكستانياً فعلياً داخل المملكة، ولأن تركيا تمتلك صناعة دفاعية وقدرات جوية وبحرية يمكن دمجها تدريجياً في محاولة حماية السعودية وملاحتها البحرية.
 

  • انكماش المظلة الأمريكية

يمثل الاتفاق جزءاً من تحول أوسع في سلوك القوى الإقليمية، قوامه  أخذ الحيطة وتعدد الشركاء بعد اهتزاز الثقة بقدرة الولايات المتحدة واستعدادها لحماية حلفائها، وهذه نتيجة الحرب العدوانية على إيران والرد الايراني على قواعد العدوان في المنطقة. وقد أظهرت الحروب المتعاقبة -منذ العام 2023م خصوصاً- أن الوجود العسكري الأمريكي لا يمنع تعرض المنشآت والقواعد والممرات البحرية للهجمات، وأن القرار الأمريكي قد يوسع الحرب من دون مراعاة كافية لأعبائها على دول المنطقة، ويعجز عن اطفاء ما أشعل، ولذلك تبحث هذه الدول عن قدرات إضافية تخفض اعتمادها على الضمان الأمني الأمريكي الأوحد.
يؤثر اتفاق مكة في الاحتكار الأمريكي عبر ثلاثة مسارات، أولها إيجاد مصادر بديلة للسلاح والتدريب والقوى البشرية، وثانيها منح الدول الإقليمية قدرة أكبر على صياغة ترتيباتها الأمنية واختيار شركائها، وثالثها رفع قدرتها التفاوضية مع واشنطن للحصول على ضمانات وتسليح بشروط أفضل. غير أن هذه المسارات لا تنهي النفوذ الأمريكي، فقد يتحول الدور الأمريكي من الضامن المنفرد إلى المورد والمنسق بين شبكات إقليمية تتولى جزءاً أكبر من الكلفة، وتبقى تركيا قناة مؤسسية تصل الاتفاق بالناتو، فيما تعتمد السعودية وباكستان على منظومات غربية في مجالات مهمة.
يحمل هذا التحول نتيجة مزدوجة للسلام، فمن ناحية يحد تعدد مراكز القوة من قدرة دولة خارجية واحدة على فرض الحرب أو احتكار القرار الأمني، ويشجع الاعتماد على القدرات الإقليمية، ومن ناحية أخرى قد يوسع سباق التسلح ويقسم المنطقة إلى محاور متقابلة إذا تأسس على استبعاد إيران واليمن والعراق أو على تعريف مذهبي للتهديد، ولذلك لا يكفي أن تكون المبادرة إقليمية كي تكون مستقلة أو سلمية، فالمعيار هو موقعها من السيادة، وعدم الاعتداء، والتسوية السياسية، ومدى تحولها إلى أمن تعاوني يشمل دول الإقليم بدلاً من دفاع جماعي لبعضها ضد بعضها الآخر.

  • التداعيات على إيران

لا يسمي الاتفاق إيران خصماً، لكنه نشأ في سياق جعلها موضوع الردع الأول بالنسبة إلى السعودية؛ فالهجمات على قواعد العدوان في دول الخليج ومنشآت الطاقة، وإغلاق مضيق هرمز، وامتداد الضغط إلى البحر الأحمر، دفعت الرياض إلى طلب حماية لا تعتمد كلياً على الولايات المتحدة، ومع ذلك لا تتطابق أولويات الأطراف الثلاثة، إذ تتقدم إيران في حسابات التهديد السعودي، وتتقدم الهند في الحسابات الباكستانية، بينما تبحث تركيا عن منافسة إيران، وهذا الاختلاف يحد من تكوين عقيدة عسكرية موحدة أو تحديد خصم دائم، غير أنهم مجمعون على أن الكيان الصهيوني ليس خصما لهذا التحالف.
يظل "الدفاع عن الأراضي السعودية" الاحتمال الأكثر قابلية للتنفيذ، عبر اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة سواء القادمة من اليمن أو إيران، وحماية المنشآت، وتبادل المعلومات وتوفير المعدات. أما المشاركة التركية والباكستانية في ضربات داخل إيران فتواجه كلفة مرتفعة بسبب الجوار الجغرافي والمصالح الاقتصادية وخطر امتداد الحرب إلى أراضيهما، إضافة إلى حاجة باكستان إلى المحافظة على توازنها الداخلي ودورها في الوساطة، وحاجة تركيا إلى إدارة ملفات متداخلة مع طهران في العراق وسوريا والقوقاز والطاقة.
يمكن للاتفاق أن يدعم الحوار السعودي الإيراني إذا منح الرياض اطمئناناً دفاعياً يخفض حاجتها إلى الرد المباشر، واستخدمت تركيا وباكستان علاقاتهما بطهران لنقل الرسائل وصياغة تفاهمات عدم الاعتداء، وضمان عدم استخدام أراضي الدول الثلاث في هجمات خارجية، وتنظيم أمن الممرات والمنشآت، كما قد يدفع تشكل محور ردعي طهرانَ إلى التفاوض لمنع توسعه، أما تقديمه بوصفه جبهة سنية أو استخدامه ضد حلفاء إيران فسيعزز معضلة الأمن، ويدفعها إلى توسيع تحالفاتها في المنطقة، فتتحول الحماية المطلوبة إلى سبب لجولة جديدة من التصعيد.

  • غياب الإمارات

لم يصدر ما يثبت دعوة الإمارات إلى الاتفاق ورفضها، كما أن الاتفاق لم ينشأ مشروعاً خليجياً ثم استبعد بعض الأعضاء، بل تطور داخل مسار سعودي باكستاني انضمت إليه تركيا، ولم تنضم إليه أي دولة خليجية أخرى، ولذلك لا يكفي الغياب وحده لإثبات القطيعة، لكنه يكتسب أهمية بسبب تزامنه مع غياب الإمارات عن الدول المؤيدة لمشروع التحالف البحري السعودي، واتساع التباعد السعودي الإماراتي في اليمن والبحر الأحمر والسودان والنفط والعلاقة مع "إسرائيل".
تتبنى السعودية والإمارات مشروعين مختلفين في اليمن، فالأولى تريد سلطة تابعة لها تحافظ على إبقاء القرار اليمني تحت عباءتها، بينما بنت الثانية نفوذها عبر المجلس الانتقالي والتشكيلات المحلية والموانئ والجزر ومشروع الانفصال، كما تتنافس الدولتان على الممرات والموانئ ومراكز التجارة الإقليمية، وتحتفظ الإمارات بعلاقة أمنية متقدمة مع الكيان الصهيوني، في وقت تتمسك فيه باكستان بعدم الاعتراف به، وتلوح بعض الخلافات على المصالح بين أنقرة و"تل أبيب"، ما يجعل إدخال الإمارات التوافق على تعريف الخصم والهدف أكثر صعوبة.
يرجح أن يكون الاتفاق تعبيراً عن اصطفاف انتقائي تقوده السعودية لتعويض تراجع شراكتها العسكرية السابقة مع الإمارات، وليس نواة لتوحيد مجلس التعاون، وقد تفضل أبوظبي العمل عبر ترتيباتها الخاصة مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" والهند وقواها العميلة في القرن الأفريقي، مع إمكان التعاون المحدود مع اتفاق مكة عند تقاطع المصالح. ولهذا يقدم غيابها دليلاً على تراجع قدرة مجلس التعاون على إنتاج سياسة دفاعية موحدة، لا على انتهاء العلاقات السعودية–الإماراتية أو استحالة عودتها إلى ترتيبات مشتركة.

  • التداعيات على اليمن

تبدأ التداعيات السياسية بحرص السعودية على إدراج العمليات الدفاعية اليمنية على أراضيها ومنشآتها وسفنها ضمن مفهوم الهجوم على أحد أطراف الاتفاق، وبذلك تسعى إلى نقل المواجهة من إطارها اليمني السعودي المرتبط بالعدوان والحصار والالتزامات غير المنفذة، إلى إطار "دفاع دولي عن دولة عضو في اتفاق ثلاثي"، ويمنحها ذلك دعماً دبلوماسياً وإعلامياً، لكنه لا يلغي مسؤوليتها عن جذور المشكلة (حربها العدوانية منذ العام 2015م)، ولا يحول المساعدة الدفاعية تلقائياً إلى "سند قانوني" لعمليات عسكرية داخل اليمن.
عسكرياً، يرجح أن تظهر النتائج أولاً داخل الأراضي السعودية وفي المجال البحري، عبر زيادة الدفاع الجوي والإنذار والاستطلاع وحماية منشآت النفط والموانئ، وقد يؤدي ذلك إلى تقليص أثر الرد اليمني، ورفع ثقة الرياض في قدرتها على تحمل جولة أطول، كما يمكن أن يدعم الاتفاقُ مشروعَ التحالف البحري الذي أيدته تركيا وباكستان، ويوفر له نواة أكثر تماسكاً من قائمة الدول الأربع عشرة المؤيدة سياسياً، لكن التحول إلى قوة مؤثرة يحتاج إلى سفن وقواعد وقيادة وقواعد اشتباك، ويظل غياب هذه العناصر بالتوازي مع تطور القدرات العسكرية اليمنية حاجزاً أمام تقدير حجم الخطر الفعلي. قد تستخدم السعودية الغطاء الجديد في إعادة تنظيم القوات التابعة لها ورفع جاهزيتها، مستفيدة من التدريب والتسليح والمعلومات، كما قد يؤدي دخول تركيا في الشراكة إلى تنويع مصادر السلاح وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها، غير أن تركيا وباكستان لا تملكان مصلحة مستقلة في حرب طويلة ضد اليمن، وتتركز مصالحهما في أمن التجارة والطاقة، ومنع اتساع الحرب، والمحافظة على علاقاتهما الإقليمية.
يحمل الاتفاق -كذلك- فرصة دبلوماسية، إذ يمكن التعامل مع تركيا وباكستان بوصفهما شريكين للسعودية وقناتين محتملتين للضمان، وتقديم تسوية تربط وقف العمليات عبر الحدود والبحر الأحمر بإنهاء الإجراءات العدائية والحصار، وتنفيذ الالتزامات الاقتصادية والإنسانية، واحترام وحدة اليمن وسيادته، وسيؤدي إقناعهما بأن أمن السعودية لا ينفصل عن تسوية عادلة مع اليمن إلى الحد من توظيف الاتفاق في تجديد العدوان. 

  • المسارات المحتملة

المسار الأرجح هو تفعيل دفاعي محدود، يشمل استمرار الانتشار الباكستاني، وتوسيع التعاون التقني والتسليحي التركي، وتطوير المراقبة والحماية البحرية، مع بقاء القرار العسكري بيد كل دولة. ويمنح هذا المسار السعودية حماية إضافية من دون تأسيس حلف عملياتي كامل.
المسار الثاني هو توظيف الردع في التفاوض، فتجمع الرياض بين رفع تحصينها وبين مفاوضات مع إيران واليمن، وتشارك تركيا وباكستان في الوساطة أو تقديم الضمانات، ويزداد احتمال هذا المسار إذا تقدمت تفاهمات هرمز، واستمرت كلفة الحرب الإقليمية، ولم تتعرض السعودية لهجوم واسع جديد.
المسار الثالث هو تحول الاتفاق إلى محور مواجهة، ويحتاج إلى هجوم كبير واضح المصدر، وإنشاء قيادة وآليات تفعيل، ونشر قوات تركية إضافية وقطع بحرية مشتركة، وتراجع الوساطات، وهو الأقل احتمالاً بسبب اختلاف المصالح وارتفاع كلفة الحرب، لكنه الأكثر خطراً على اليمن والمنطقة.

  • استدراك

في كل الأحوال، القواتُ المسلحة اليمنية سبق وواجهت تحالفات عدوانية من عاصفة الحزب 2015م، إلى ما سمي بتحالف الازدهار الأمريكي البريطاني 2023م، وهي مستعدة اليوم -دفاعاً عن سيادتها- أن تواجه أي تحالف عدواني جديد، وكما أكدت الخارجية اليمنية بصنعاء في  أكثر من بيان: "لا يوجد قوة قادرة على منع الشعب اليمني من استعادة حقوقه والدفاع عن نفسه".


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر