عبدالحكيم عامر
في عمليات استباقية، تُطلق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة للقوات المسلحة اليمنية خلال 48 ساعة لإصابة تحشيدات عسكرية في صحراء الوديعة ومناطق الرويك والعبر والثنية ومعسكر صحن الجن، لإرسال رسالة أعمق: أن المعادلة اليوم تغيرت، وأن أي تحشيد أو تصعيد عسكري سيواجهه برد قاسٍ وحاسم.
العمليات العسكرية الواسعة التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية، والتي استهدفت تحشيدات عسكرية سعودية كانت في مراحلها النهائية، لقيام العدو السعودي ومرتزقته بتصعيد ميداني بري على المناطق المحررة من الاحتلال السعودي، وهذا يُمثل، في جوهره، تحولًا استراتيجيًا يكشف عن تطور نوعي في القدرات العسكرية والاستخباراتية، مما يعني أن القوات المسلحة تعتمد على الرصد المبكر واكتشاف التحشيدات العسكرية للعدو، وهذا يكشف عن قدرات استخباراتية متقدمة.
ووفقًا للناطق الرسمي للقوات المسلحة، فإن النتائج المعلنة كانت ثقيلة: عشرات القتلى والجرحى في صفوف القوات السعودية ومرتزقتها، وتدمير واسع للآليات والمخازن والمعسكرات، لكن الأهم من الأرقام هو التوقيت: العملية جاءت قبل أن تكتمل التحشيدات، أي إنها كانت إحباطًا لهجوم لم يُولد بعد.
كان تكتيك العملية هو كحرب هجينة بأبعاد استخباراتية، استخدام مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في ضربات متتالية ومتوازنة، تكشف عن تطور في عقيدة القتال اليمنية، فالصواريخ الباليستية بقوة تدميرها العالية تُستخدم عادةً لضرب الأهداف الثابتة والبنية التحتية "المعسكرات، المخازن، نقاط القيادة"، بينما الطائرات المسيرة بدقتها وقدرتها على التحليق على ارتفاعات منخفضة تُستخدم لاستهداف الأفراد والآليات المتحركة.
لكن الأعمق من اختيار الأسلحة هو اختيار الأهداف، صحراء الوديعة هي العقدة اللوجستية الرئيسية للقوات السعودية على الحدود الجنوبية، وهي أيضًا منفذ بري استراتيجي يربط اليمن بالسعودية، استهدافها يعني شل القدرة على الإمداد والتحرك، وقطع إمكانية استخدامها كقاعدة انطلاق لأي عملية برية واسعة.
أما رصد التحشيدات في "مراحلها النهائية"، فيكشف عن قدرات استخباراتية متقدمة لم تكن واضحة المعالم في السابق، فاكتشاف تحركات عسكرية كبيرة لجيش مجهز بأحدث تقنيات الاستطلاع والاتصالات، وفي عمق العدو، يتطلب شبكة استخباراتية بشرية وتقنية متقدمة، وهذا يعني أن القوات المسلحة اليمنية، كما تطورت قدراتها الصاروخية والمسيرة، طورت أيضًا عينًا ترصد وترى العدو قبل أن يتحرك.
العمليات العسكرية وما قبلها في عمق وسفن العدو السعودي لم تأتِ من فراغ واعتداء، فالعدو السعودي، بعد عقد من العدوان المكلف بشريًا واقتصاديًا وسياسيًا على اليمن، تسعى لإبقاء الحصار ووضع القيود على المطارات والموانئ على الشعب اليمني الذي يرفض وصايتها عليه، والعمل على التحشيدات العسكرية والتحالفات الدولية، وهو من أجل السعي لإبقاء الحصار والعدوان على اليمن، وهذا ما يرفضه الشعب اليمني، ولذا كانت العمليات وتطبيق الحصار بالحصار للضغط على العدو لرفع عدوانه وحصاره عن اليمن.
وإن تكرر البيان العسكري عبارة "مستمرون في معادلة الحصار بالحصار"، فهي في حقيقتها مفتاح فهم المشهد اليمني اليوم، فاليمن، منذ نحو 12 عامًا، يعيش تحت حصار بحري وجوي واقتصادي يُخنق شعبه ويُدمر بنيته التحتية، والعمليات العسكرية، من هذا المنطلق، هي لإنهاء الحصار والعدوان السعودي على الشعب اليمني، ولهذا الرسالة واضحة: كلما استمر الحصار، ستستمر الضربات، وكلما صعّد العدو، يكون الرد أقوى وأوسع.
في الأخير، في صحراء الوديعة ومناطق الرويك والعبر والثنية ومعسكر صحن الجن بمأرب، حيث احترقت المعسكرات بما تحمل من تحشيدات وعتاد، دُفنت معه فكرة بسيطة ظلت تُرددها الرياض لسنوات: أن اليمن ضعيف، وأن الحصار يُذله، وأن الإرادة اليمنية يمكن قهرها بالجوع والقصف والانتظار.
لكن صواريخ ومسيرات اليمن اليوم قالت كلمتها الأخيرة: الإرادة التي صمدت اثني عشر عامًا لن تُقهر وتُرهب بالتحشيدات والتهديدات، ولا تنتظر حتى تُهاجم لترد، القوات المسلحة اليمنية هي ترصد وتُهاجم الأعداء، وتُحبط المؤامرة قبل أن تُنفذ.
فلتعلم الرياض وليعلم العالم أن صنعاء اليوم ستجعل كلفة أي قرار بالتصعيد أعلى من أي وقت مضى، ويضع جميع الأعداء أمام معادلة ردع جديدة.
والشعب اليمني هو شعب الحكمة والإيمان، خرج للساحات مفوضًا للسيد القائد وللقوات المسلحة، ولهذا فكلمته اليوم واضحة: الاستمرار حتى إنهاء الحصار، حتى تحقيق السلام المشرف والعادل، حتى يعود اليمن حرًا عزيزًا مستقلًا.





.png)
.jpg)
