يحيى الربيعي
في لحظة تاريخية فارقة تتجاوز فيها صنعاء حدود الصبر الاستراتيجي، يعيد الشعب اليمني صياغة معادلات القوة والنفوذ في المنطقة والعالم، مدفوعاً بمسؤولية حماية الوجود الإنساني لأربعين مليون مواطن يرزحون تحت وطأة أبشع حصار بشري وعقاب جماعي في التاريخ الحديث. وتأتي هذه الانطلاقة التعبوية كاستجابة فورية وحاسمة لموجهات قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، برفع مستوى الجاهزية القتالية والتعبئة العامة الشاملة؛ معلنةً الرفض القاطع والمطلق لاستمرار الحصار والقرصنة المنظمة على الثروات النفطية والغازية السيادية.
ترتكز هذه الاستجابة العارمة، والتي تدمج بين عقيدة الثبات المستلهمة من مدرسة كربلاء ومبادئ ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، وموجهات السيد القائد، على جبهة داخلية صلبة وجيش نظامي متطور مسنود بملايين المقاتلين المدربين؛ وهو ما يضع المنظومة الدولية وأدواتها الإقليمية أمام معادلة ارتداد استراتيجي حتمية، قوامها انتزاع الحقوق المشروعة بالقوة المسلحة، وتطهير كل شبر من تراب اليمن من دنس الاحتلال وأدواته، وقلب الطاولة نهائياً على سياسات التجويع الأمريكية غير المشروعة.
من يثرب إلى صنعاء.. الامتداد تاريخي
تنطلق العقيدة الكفاحية للشعب اليمني من جذر تاريخي وثيق الصلة بـ "مجتمع الأنصار" الأوائل من الأوس والخزرج، حيث حدد قائد الثورة معالم هذه الهوية الإيمانية في استشهاده بالقول الدستوري القرآني المحكم: "وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
ويؤكد هذا التأصيل أن المجتمع اليمني المعاصر، الذي يتحرر اليوم من التوجهات المادية والأنانية، إنما يستأنف حمل راية الإسلام ومواجهة جاهلية العصر الظلامية المستكبرة التي تقودها أمريكا و"إسرائيل" والحركة الصهيونية العالمية.
وفي سياق هذه المواجهة الشاملة، لم تعد المعطيات الميدانية والسياسية تترك مجالاً للشك في طبيعة العدوانية الصهيونية؛ وهي العدوانية التي تجلت بأبشع صورها في حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، والاعتداءات المتكررة على دول محور المقاومة في لبنان وإيران واليمن.
هذا التغول العسكري يتزامن بنيوياً مع سقوط متسارع للأقنعة الأخلاقية للغرب الرأسمالي، وهو ما فضحته يقيناً بينات الفساد الهيكلي في وثائق "جيفري إبستين"، فضلاً عن الإساءات الممنهجة والمستمرة للمقدسات الإسلامية، والتي بلغت ذروتها الاستفزازية في التصريحات العدائية للمجرم 'ترامب" بحق مكة المكرمة.
وأمام هذا التحدي الوجودي المشهود، تبرز التعبئة العامة كمسؤولية حتمية ومقدسة لدرء هذا الطغيان؛ حيث يتكامل الموقف الميداني مع الواجب العقائدي انطلاقاً من مبدأ وحدة الساحات وأخوة الجهاد، سعياً للأخذ بكافة أسباب القوة وبناء النموذج الحضاري المستند أساساً إلى فريضة الجهاد المحكمة في القرآن الكريم، واقتداءً بالقيم والمبادئ المقدسة التي قادها أعظم قائد عرفته البشرية، الرسول الأكرم محمد المصطفى وآله الأخيار.
النفير العام.. تدشين لطوفان بشري مسلح
وتجسيداً لهذه الموجهات القيادية، شهدت الساحة اليمنية ولادة مرحلة عسكرية متقدمة تمثلت في إعلان النفير العام ورفع الجاهزية القتالية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أكدت قوات التعبئة العامة في بيان رسمي لها الجهوزية الفورية والتامة لترجمة التوجيهات القيادية وإسناد الجيش اليمني بالمقاتلين في أي زمان ومكان تُحدده القيادة لمواجهة قوى العدوان وانتزاع الحقوق المغتصبة وتطهير الأرض من المحتلين.
وتشير البيانات الإحصائية الرسمية الصادرة عن قيادة قوات التعبئة إلى أن هذه المرحلة تشهد مضاعفة حثيثة لأعداد المتدربين والملتحقين بالدورات التخصصية والنوعية، لتضاف هذه الدماء الجديدة إلى رصيد بشري وعسكري ضخم تم إعداده في المراحل الماضية وبلغ قرابة مليون مقاتل تم تنظيمهم في مئات الألوية العسكرية التعبوية الشعبية؛ وفي هذا الإطار، تتواصل عمليات الالتحاق الواسع بالدورات العسكرية المفتوحة تحت شعار "طوفان الأقصى"، بالتكامل والربط العملياتي الكامل مع القوات المسلحة اليمنية على كافة المستويات، مما يحول الجبهة الداخلية إلى درع حصين يفشل كافة مؤامرات الحرب النفسية ومساعي قوى العدوان الرامية لخلق حالة من اليأس والإحباط.
حصار أربعون مليون يمني ومعادلة الانفجار الشامل
على الصعيد الاقتصادي المعقد، تتجاوز صنعاء لغة المناشدات الدبلوماسية التقليدية لتضع المجتمعين الدولي والإقليمي أمام حقيقة ديموغرافية وإنسانية صادمة لا يمكن القفز فوق تداعياتها؛ إذ يرزح ما يقارب أربعين مليون نسمة تحت وطأة عقاب جماعي ممنهج وحصار خانق دخل عامه الحادي عشر. وتؤكد التقارير المحلية وتلك الصادرة عن المنظمات الإنسانية الدولية أن هذا الوضع يمثل سابقة إجرامية لا نظير لها في التاريخ الحديث والمعاصر؛ فبالرجوع إلى نماذج الحروب العالمية الكبرى، أو حتى الصراعات الدولية المعاصرة في العراق وأفغانستان وأوكرانيا، لم تسجل وثائق التاريخ إغلاقاً مطبقاً وشاملاً للمطارات المدنية والموانئ التجارية منعاً تاماً لتدفق الغذاء المنقذ للحياة والدواء الأساسي، أو حظراً كلياً لحرية التنقل والتعاملات المالية المصرفية كأداة لإبادة شعب بأكمله، وهو ما جعل من الجغرافيا اليمنية، إلى جانب قطاع غزة، مختبراً لأبشع صور الحصار البشري في العصر الحديث.
وفي السياق، تكشف حقائق الشواهد الموثقة بتقارير وزارة النفط والمعادن والبنك المركزي في صنعاء، أن تحالف العدوان، بإشراف وتخطيط أمريكي مباشر وتنفيذ سعودي ميداني، لم يكتفِ بإغلاق المنافذ فحسب، بل عمد إلى إدارة عملية قرصنة منظمة للثروات الوطنية السيادية؛ حيث تشير البيانات المالية إلى السيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز في محافظات مأرب وشبوة وحضرموت، ونهب عائداتها التي كانت تمثل أكثر من ثمانين بالمئة من الموازنة العامة للدولة، وتحويل هذه الأموال إلى حسابات بنكية خاصة في الخارج؛ وهو الإجراء القسري الذي لم تقف تداعياته عند حد حرمان أكثر من مليون ومئتي ألف موظف حكومي من مرتباتهم المستحقة منذ عام 2016، وإنما تجاوزت لتؤدي إلى انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والكهرباء، في مقابل قيام التحالف بتسخير الجزء الأكبر من تلك العائدات لتمويل استمرارية تحركات المرتزقة والتنظيمات التكفيرية في التجييش وخلق بؤر التوتر بغية استنزاف مقدرات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية وتفكيك عرى الوحدة الوطنية وضرب كامل عوامل الاستقرار الداخلي للشعب اليمني.
وتأسيساً على معطيات هذا الواقع المرير، تعلن القيادة الوطنية في صنعاء عن حقها المشروع في تجاوز مراحل الاكتفاء بالمناشدات والمناورات السياسية، لتبدأ مرحلة الانتقال إلى التحذيرات الجازمة وتشكيل معادلة ارتداد استراتيجي تتعدى حدود الجغرافيا اليمنية؛ لتأكيد أن كلفة استمرار الاستثمار الدولي والإقليمي في مأساة الشعب اليمني ستكون باهظة ومباشرة، وعلى كافة المستويات.
وبعيداً عن حقيقة أن هذه السياسات الأمريكية وأدواتها الإقليمية تسقط بالكامل أمام معالم اللامشروعية القانونية والأخلاقية؛ إذ يمثل الحصار الخانق وسياسة التجويع الممنهج المفروضة على أربعين مليون إنسان في اليمن انتهاكاً صارخاً وجسيماً لأبرز القواعد الآمرة في القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، أو أن بيانات المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعدة مراكز دراسات قانونية دولية تثبت، وبما لا مجال فيه للشك، أن استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب أو الضغط السياسي يُصنف كجريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً للمادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وأن البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، يحظر صراحة استهداف أو تعطيل الأعيان والمرافق الضرورية لبقاء السكان على قيد الحياة، بما في ذلك الموانئ ومصادر الطاقة وإمدادات الغذاء والدواء. وبناءً على هذه المعطيات الرادعة، فإن كافة القرارات والإجراءات القسرية أحادية الجانب التي تديرها المنظومة الدولية بتوجيه أمريكي تفتقر لأي غطاء شرعي، وتتهاوى أمام حق الشعوب الأصيل في الحياة والسيادة وحماية وجودها الإنساني.
فإن هذا التعنت الدولي غير المشروع، يضع الموقف اليمني أمام فرضية حتمية ومسؤولة تمليها دواعي وجوب حماية الوجود الإنساني؛ لاسيما وأن اليمن الذي حرص طوال المراحل الماضية على تأصيل حقيقة كونه يمثل عامل أمن واستقرار إقليمي ودولي، وحارسًا أمينًا للممرات الملاحية الاستراتيجية، يجد نفسه اليوم مدفوعاً بمسؤولية أخلاقية وتاريخية لانتزاع ثرواته السيادية المنهوبة وحرية شعبه بالقوة المسلحة، بعد أن عجزت الخيارات الدبلوماسية عن كسر الحصار.
ووفقاً للبيانات العسكرية الرسمية الصادرة عن القوات المسلحة اليمنية، فإن هذا التوجه الاستراتيجي يأتي مسنوداً بإرادة شعبية صلبة، وجاهزية قتالية عالية لجيش نظامي متطور، مدعوم بقوات "النكف" والتعبئة الشعبية العارمة التي تضم ملايين المقاتلين المدربين والمجهزين بأحدث التقنيات العسكرية الرادعة، من منظومات صاروخية وسلاح جو مسير؛ وهي القوة البشرية والتقنية الهائلة التي تنتظر إشارة البدء لتغيير موازين القوة بالكامل، وترسيخ واقع يفرض رفع الحصار الشامل كشرط وحيد وأساسي للاستقرار الإقليمي والدولي.
كربلاء وثورة سبتمبر والموجهات القيادة.. عقيدة الثبات
تتكامل هذه التحركات الشعبية والعسكرية وتلتحم عضوياً مع زخم الفعاليات والأنشطة الإحيائية لذكرى عاشوراء، والتي تحولها المؤسسات الجماهيرية اليمنية إلى محطة إيمانية وتربوية لتعميق الوعي الجمعي واستلهام قيم التضحية الفدائية والثبات المصيري من ثورة الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة خط الانحراف والنفاق؛ إذ يرى الشعب اليمني في هذه الذكرى تاريخاً حياً ومنارة تستمد منها الأجيال معاني العزة والرفض القاطع للخضوع لطغيان الاستبداد الذي تمارسه المنظومة الدولية اليوم.
وتأسيساً على هذا الموروث الرسالي الصلب، تأتي ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر الخالدة كامتداٍد عملي ونموذج سيادي فريد في مواجهة الهيمنة وتصحيح مسار الأمة مهما بلغت كلفة التضحيات. وفي هذا السياق، تلتحم الرؤية الرسمية بالزخم الشعبي في ميادين التعبئة العامة، متسلحة بالثقافة القرآنية التي تحصن المجتمع ضد الحرب الناعمة والتحديات الفكرية، ومجددة العهد التاريخي الحاسم بأن اليمن يمتلك اليوم زمام المبادرة والقرار، ولن يثنيه حصار أو عدوان عن مواصلة معركة التحرر الشامل حتى استعادة كامل التراب الوطني وكافة الحقوق السيادية المشروعة.






