مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

بشير الشامي
قبل آلاف السنين، وقفت امرأة يمانية بكامل هيبتها، تقرأ المستقبل بعين الخبير، وتُشرّح سيكولوجية الغزاة بعبارة واحدة خلدها الوحي: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. لم تكن بلقيس حينها مجرد ملكة تخشى على عرشها من الزوال، بل كانت العقل السياسي الفذ الذي صاغ أبجدية السيادة الوطنية، محذرةً شعبها من فخاخ الارتهان، ومدركةً بحاستها الثاقبة أن التفريط في القرار المستقل لا يجلب سوى الخراب والمهانة، مهما تزينت وعود الطامعين.

على النقيض من ذلك الشموخ التاريخي، تبتلى اليمن اليوم بطائفة تتشدق بالانتماء لترابها، وتزعم زوراً أنها من صلب تلك الملكة العظيمة، بينما تمارس عكس حكمتها حرفياً، لقد خلع هؤلاء أثواب العزة على عتبات القصور، واستبدلوا كرامتهم السيادية بحفنة من المال المدنس.

فتحوا أبواب البلاد للملوك والأمراء ليدخلوها، فكانت النتيجة مطابقة تماماً لنبوءة بلقيس، مُزق الوطن، ونُهبت مقدراته، وتحول من كانوا يظنون أنفسهم "أعزة" إلى مجرد أتباع صاغرين، يُدارون بأجهزة التحكم عن بعد، ينتظرون الإذن بالكلام، والتصريح بالسفر، في تجسيد حي ومذل لمعنى "وجعلوا أعزة أهلها أذلة".

غير أن ذروة الفصام، وأكثر ما يبعث على الغثيان في هذه التراجيديا، هي تلك اللحظة التي يقف فيها هؤلاء الخونة المرتزقة أمام عدسات الكاميرات، متصنعين وقار الدولة، ليرددوا بحناجر منتفخة بالزيف مقطعاً من النشيد الوطني: "لن ترى الدنيا على أرضي وصيّا"!

كيف لا تخجل الشفاه وهي تنطق بعكس ما تقترف الأيدي؟ أي خديعة هذه التي تجعل المرء يغني للاستقلال بينما حبر التنازلات والارتهان لم يجف بعد؟ إنهم يصدحون برفض الوصاية، بينما الدنيا بأسرها ترى الوصي يتجول في مدنهم، ويتحكم في موانئهم وسمائهم، ويصرف لهم رواتبهم ومواقفهم السياسية على حد سواء، وتحول النشيد الوطني في أفواههم إلى مسرحية هزلية، وكلمات تُلوك لتغطية عورة العمالة، ظناً منهم أن الأغاني قادرة على ستر ما كشفته المواقف.

لقد توهم سماسرة الأوطان أن خزائن الممولين قادرة على منحهم مجداً بديلاً، وتناسوا أن الوصاية لا تصنع قادة حقيقيين، بل تستأجر أدوات لتأدية دور مؤقت ينتهي بانتهاء الحاجة إليه، وثمن العمالة، مهما تضخم في الحسابات البنكية، لا يشتري شبراً من الكرامة؛ فالملوك لا يدفعون أموالهم لصناعة أحرار، بل لشراء عبيد جدد، وقد اختار هؤلاء أن يكونوا أذلة في قصور غيرهم، هرباً من شرف المواجهة وتكاليف الحرية على أرضهم.

لن تغفر بلقيس لمن دنسوا إرثها، ولن ينسى التاريخ أن جيلاً من أدعياء السياسة باعوا بلادهم في المزاد العلني، ثم وقفوا يبكون على أطلالها بنشيد وطني مسروق، ستبقى الآية الكريمة تصفعهم كلما تلوا القرآن الكريم، وسيبقى النشيد يلعنهم كلما حركوا به شفاههم؛ فالأوطان لا تُستعاد من غرف الانتظار في فنادق الملوك، والسيادة لا تُوهب لمن ارتضى لنفسه أن يكون ظلاً باهتاً لولي نعمته.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر