مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

فهد شاكر أبوراس
في زمن تحولت فيه الخوارزميات إلى بوابات للوعي، وأصبحت المنصات الرقمية ساحات للصراع لا تقل ضراوة عن ميادين القتال، برزت حقيقة جديدة مفادها أن الكلمة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، فقد صارت قذيفة موقعة بدقة، ومفتاحا لقرائن استخباراتية، ونافذة على النوايا والاستعدادات.

وهنا يبرز سؤال أخلاقي شائك يتجاوز البعد الأمني المباشر إلى فضاء أوسع، هو كيف نوصل رسائلنا ونعبر عن مواقفنا دون أن نكشف ما يضر، وكيف نكون فاعلين في الخطاب دون أن نكون أدوات في لعبة الخصم.؟!

إنه فن الإيصال دون الإفصاح، تلك المهارة التي تحتاج إلى وعي مركب يجمع بين صرامة الأمن ورهافة الأخلاق، وبين حاجتنا الطبيعية للتعبير وواجبنا الوطني للحفاظ على مكامن القوة.

في عصر الخوارزميات التي تلتقط كل نبضة رقمية، وتحلل كل تفاعل، وتستنتج من السلوك ما لا يصرح به، يصبح التحدي مضاعفا، لأن الصمت المطبق قد يقرأ كضعف أو ارتباك، والثرثرة المفرطة قد تقرأ كفضح واستهتار، وبين هذا وذاك تبقى مساحة ضيقة للكلمة المتوازنة، التي تقول ما يكفي لتثبت الحضور وتعزز المعنويات، وتصمت عما يكفي لتحجب الرؤية وتربك الحسابات.

هذا الفن هو ضرورة وجودية في مواجهة حرب نفسية تعتمد على استغلال كل كلمة ننطق بها، وكل صورة ننشرها، وكل لحظة تردد نسجلها، لأن الخوارزميات المعادية لا تنسى، ولا تغفل، ولا تسامح، فهي تبنى من شتات حديثنا نماذج تنبؤية دقيقة عن تحركاتنا، وقدراتنا، وحتى عن حدود صبرنا واحتمالنا.

إن أخلاقيات الكلمة في هذا السياق تقتضي أن نعيد تعريف مفهوم الصدق ذاته، فالصدق ليس دائما في قول كل ما نعرفه، إنما في قول ما ينفع في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، وكتمان ما يضر ليس كذبا، بل هو حكمة ومسؤولية، فالعدو لا يستحق أن نمنحه هدايا مجانية على شكل معلومات أو تصريحات أو حتى انفعالات يمكن توظيفها ضدنا.

وهنا تتداخل الأخلاقيات مع التكتيك، فالتزام الصدق مع الذات والجماعة لا يعني التهاون في حماية الأسرار، كما أن الانضباط في الكلام هو ممارسة راقية للحرية نفسها؛ لأن الحرية الحقيقية هي القدرة على اختيار ما نقوله بوعي، لا الاندفاع وراء كل ما يخطر على البال.

الخوارزميات التي تدير ظهورنا الرقمي ليست محايدة، فهي تصمم لتغذي تفاعلنا، وتطيل بقاءنا، وتحفز انفعالاتنا، وغالبًا ما تكون هذه المحفزات في صالح من يشغلها، لا في صالح من يستهلكها.

لذلك، فإن التمرس على فن الإيصال دون الإفصاح يعني أن نتعلم كيف نمرر رسائلنا دون أن نترك بصمات واضحة للخوارزميات المعادية، كيف نعبر عن وحدتنا وصمودنا دون أن نقدم تفاصيل تكتيكية، كيف نظهر قوتنا دون أن نكشف مصادرها، وكيف نواجه الشائعات بروية لا بردود فعل تضاعف من انتشارها.

إنه نوع من التشفير الرقمي، حيث تمتزج المهارات الإعلامية بالوعي الاستخباراتي بالحس الأخلاقي، لتنتج خطابا وطنيا متماسكا، قادرًا على الصمود في وجه أعتى حملات التضليل.

إن مسؤوليةَ إتقان هذا الفن لا تقعُ على عاتق الإعلاميين أو المسؤولين فقط، هي واجبٌ جماعي يبدأ من المواطن العادي الذي يكتب تعليقا، ويمر بالناشط الذي يعيد تغريدة، وينتهي بصانع القرار الذي يطلق تصريحا، فالكل في مرمى الخوارزميات، والكل بحاجة إلى أن يكون جزءا من الحل لا من المشكلة.

وإذا كنا نطمح إلى نصر يحفظ كرامتنا ويصون مستقبلنا، فعلينا أن ندرك أن المعركةَ اليوم هي معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة كلمة قبل أن تكون معركة أرض، وأن أقوى دروعنا ليس ما نصنعه من معادن، بل ما نبنيه من قناعات راسخة تمنعنا من أن نكون أداة في يد عدو يستخدم تقنيات العصر ليحيل أحلامنا إلى كوابيس، وكلماتنا إلى ذخيرة ضدنا.

لذا، أخي المواطن اجعل من كلماتك جسرًا يصل الحقائق دون أن يفضي إلى الأسرار، ومن صمتك حكمة تحمي الظهير دون أن تخون الرسالة، ومن حضورك الرقمي شهادة على وعيك لا انعكاسًا لجهلك.

تذكر أن الخوارزميات تحصي كل شيء، لكن الروح الوطنية ليست رقما، والإخلاص ليس بيانات، والصمود ليس خوارزمية.

أنت أكبر من كل خوارزمية، وأعمق من كل تحليل، وأقدر على أن تكون رسالة حيةً ناطقة بالوعي، تصل إلى من تريد دون أن تفصح عما لا تريد.

هذا هو فن الإيصال دون الإفصاح، وهذه هي أخلاقيات الكلمة في زمن الخوارزميات، فهل نكون عند مستوى هذه المسؤولية..؟!


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر