د. أحمد الرباعي
مع حلول ذكرى "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، ذلك الحدث الكبير الذي زلزل أركان منظومة الاحتلال الصهيوني وأعاد صياغة معادلات الصراع مع العدو في المنطقة العربية، تتجلى بوضوح ارتدادات هذا الحدث التاريخي الذي لم تتوقف أمواجه عند حدود فلسطين، بل امتدت لتشمل ساحات الإسناد التي اختارت ألا تقف على الحياد، وفي قلب هذه الساحات، يقف اليمن الذي اتخذ قرارًا شجاعًا وتاريخيًا بالانخراط في المعركة.
وحرب الإبادة التي تُشن على اليمن لم تعد خافية الدوافع؛ فهي الفاتورة القاسية التي يُراد لليمن أن يدفعها نظير موقفه الإيماني والأخوي التاريخي في مساندة إخوانه في غزة؛ لذا فإن مشاهد القصف المروع الذي يطال منازل المواطنين والمدارس والمستشفيات وشبكات الاتصالات والمصانع والمزارع والجسور في العاصمة صنعاء وعموم المحافظات هذه الأيام، وما تبعها من عمليات تنكيل وحشية بالأسرى في تعز وساحل ذو باب، ليس مجرد تصعيد عسكري في سياق نزاع داخلي كما يحاول إعلام الصهيونية العالمية تقديمه، فهي في حقيقتها مشاهد ممتدة لتلك النسخة الدموية الإجرامية التي تُنفذ في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023م حتى اليوم.
وهناك تشابه وتطابق كاملان بين مشاهد الدمار في غزة وما يحدث اليوم في اليمن، ما يثبت أن عقلية من يدير المعركتين واحدة، وأن غرفة العمليات هي ذاتها لم تتغير، فعندما تُقصف غرف العناية المركزة، وتتحول المدارس والجامعات والمساجد والمزارع والطرقات إلى أهداف مشروعة، وتُنقل الانتهاكات الجسيمة والتنكيل بالأسرى اليمنيين خارج كل القوانين والأعراف الدولية وأعراف القبائل اليمنية الأصيلة، فإننا نقف أمام "بنك أهداف" واحد لا يفرق بين جغرافيا غزة أو صنعاء، فكما يُراد تجويع وكسر حاضنة المقاومة في غزة، يُمارس ذات النهج المتصهين في اليمن لمحاولة تركيعه وكسر إرادته.
والعدوان الأخير والتصعيد الممنهج ضد اليمن هو ترجمة فعلية لما أفرزته اللقاءات الأمنية والسياسية المكثفة بين قيادات الكيان وعدد من قادة دول الخليج الذين لم يعودوا يخفون تحالفاتهم مع المجرم الصهيوني، وقد باتت هذه الأطراف ترى في جبهة الإسناد اليمنية تهديدًا استراتيجيًا غير مسبوق لمعادلات الهيمنة الأمريكية الصهيونية في المنطقة، ومصدر استنزاف حقيقي لآلة الحرب الصهيونية.
ولهذا، كان القرار بالانتقام من اليمن عبر دول العدوان بتحريك مسرحية "الشرعية" التي عفا عليها الزمن ولم يعد لها صلة باليمن واليمنيين، في محاولة يائسة لفصل مسار اليمن عن مسار غزة، ومعاقبة الشعب اليمني على موقفه الذي أربك حسابات الغرف المغلقة لحلفاء إبستين ومشروعهم الجديد في المنطقة العربية.
إن الرهان على كسر إرادة الشعب اليمني من خلال الضغط الاقتصادي والإنساني واستهداف المدنيين والأعيان المدنية هو رهان خاسر تمامًا، فالمواطن اليمني يمتلك اليوم وعيًا سياسيًا واستراتيجيًا يفوق كل التوقعات؛ وقد أصبح اليمنيون مدركين جيدًا أهداف العدوان، وأن هذا الدمار الممنهج هو ضريبة مباشرة لوقوفهم مع مظلومية الشعب الفلسطيني، وهو ثمن استعدوا لتحمله منذ أن عاهدوا عليه قائد الثورة والمسيرة السيد/ عبدالملك بدر الدين الحوثي - يحفظه الله، عن قناعة وإيمان مطلق.
ولم تعد سياسة "الترهيب بالموت" تجدي نفعًا مع شعب يؤمن بأن معركته اليوم هي معركة حق وباطل، وأن دماء أطفاله وقادته في صنعاء وتعز وغيرها من المدن والقرى اليمنية هي امتداد لدماء أطفال دير البلح وجباليا وخان يونس.
يدرك اليمنيون أيضًا أن حلفاء إبستين يعملون على إضعاف الجبهة الداخلية وإثارة السخط العام بهذه الجرائم الإرهابية، ولذلك بدأت النتائج العكسية لهذه الأعمال تظهر جليًا، فهذا العدوان زاد من الاصطفاف الشعبي والقبلي بشكل غير مسبوق، ووحد اليمنيين حول قيادة الثورة والقيادة السياسية للمواجهة ورفض التنازل عن القضية المركزية للأمة. وقد صُقلت قدرة اليمنيين على التحمل والصبر خلال اثني عشر عامًا من العدوان والحصار، الأمر الذي منحهم التفوق المطلق. هذا التجرد من الخوف، اقترن بإيمانهم القوي بالله وعدالة القضية والإرادة الصلبة، يجعل من محاولة تركيعهم ضربًا من خيال نتنياهو وحلفائه في دول الخليج.
سيكتب التاريخ عن ثبات أهل اليمن الذي لم يكن مجرد موقف سياسي، بل عقيدة راسخة، وإيمان سكن قلوبهم، وصبر تربع على جبالهم، ووفاءٌ لإخوانهم في غزة، وامتدادٌ لدماء الشهداء الذين سبقوهم إلى المجد. وسيحكي أيضًا أن آلة الإبادة التي حاولت سحق غزة واليمن معًا، تحطمت أمام شعب لا يعرف المساومة، وأن الدم الذي يُسفك اليوم في اليمن لن يكون إلا وقودًا لمعركة مصيرية، يخرج منها اليمنيون أكثر تماسكًا، وأشد بأسًا، وإلى نصرٍ دفعوا ثمنه من دمائهم وصبرهم، (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

.png)
.png)


.jpg)

