نجيب صالح المعافا
تطل علينا اليوم الذكرى السنوية الثالثة لانطلاق ملحمة "طوفان الأقصى" المباركة في السابع من أكتوبر، لتطوي الأمة مرحلة كاملة من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وتفتح باباً واسعاً على حقبة تاريخية بالكامل تتشكل ملامحها وسط مخاض إقليمي وعالمي عسير، إن ثلاث سنوات من الصمود الأسطوري والمواجهة المفتوحة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن عجلة التاريخ لا يمكن أن تدار للوراء، وأن معادلات الهيمنة الاستكبارية التي فرضها الكيان المؤقت وأدواته في المنطقة قد أصابها شرخ بنيوي عميق لا يمكن رتقه.
لقد غدا عنوان "صدى الطوفان وتكامل الساحات" تجسيداً حياً لواقع استراتيجي جديد أطاح بأحلام الكيان الصهيوني في التفرد بجبهات الأمة واحدة تلو الأخرى، وبدلاً من أن يحقق العدو أهدافه العدوانية، وجد نفسه غارقاً في رمال متحركة من الاستنزاف المستمر، عاجزاً عن حماية أمنه أو اقتصاده أو حتى بقائه الوجودي دون مظلة حماية دولية تتداعى شيئاً فشيئاً تحت ضربات الأحرار.
شهد الكيان الصهيوني خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة تداعيات وجودية غير مسبوقة منذ زرعه في قلب الأمة. فقد سقطت نظريات الأمن القومي الصهيوني، وتهاوت العقيدة العسكرية القائمة على نقل المعركة إلى أرض الخصم، وعجز جيش الاحتلال، بكل ما يمتلكه من ترسانة عسكرية متطورة ودعم استخباري ولوجستي غربي مفتوح، عن حسم المعركة أو تحقيق أهداف معلنة مثل القضاء على المقاومة أو استعادة الأسرى بالقوة، وتسببت ضربات المقاومة المتلاحقة وتكامل جبهات الإسناد في شلل تام لقطاعات واسعة من اقتصاد الكيان، وهجرة عكسية لمئات الآلاف من المستوطنين، وأزمة ثقة عصف بالقيادة السياسية والعسكرية على حد سواء، مما يؤشر بوضوح إلى بداية العد التنازلي لهذا الكيان المؤقت.
وفي هذا المشهد المهيب، وقفت الجمهورية اليمنية من منطلق الإيمان والمسؤولية القومية والدينية والأخلاقية، وقفة شجاعة وتاريخية إلى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم. فلم تكتفِ بالدعم اللفظي، بل تجاوزت كل الخطوط الحمراء التي رسمتها قوى الاستكبار العالمي، لتخوض معركة مباشرة عبر فرض حصار بحري مطبق على الملاحة الصهيونية والمرتبطة بالعدو في البحرين الأحمر والعربي، وصولاً إلى استهداف العمق الصهيوني بالصواريخ والمسيرات النوعية، مؤكدة أن أحرار اليمن وقواتهم المسلحة يشكلون قلعة منيعة لصرخة الحق في وجه الطغيان.
لقد شكلت استراتيجية "تكامل الساحات" الركيزة الأساسية التي قصمت ظهر المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، فبدلاً من تفرد العدو بغزة، تداعت جبهات المقاومة في لبنان والعراق وسوريا واليمن لتشكل جداراً بشرياً وعسكرياً متماسكاً يتقاسم الأدوار ويدير المعركة بغرفة عمليات واحدة وتنسيق استراتيجي فائق، حيث شكلت الجبهة اللبنانية سنداً نارياً استراتيجياً لا ينضب، ومواصلة المقاومة العراقية والسورية استهداف القواعد والمصالح المرتبطة بالعدو، بينما أطبق اليمن الأبي الخناق البحري ليحكم الطوق حول رقبة الكيان الصهيوني.
إن سنوات الصراع الثلاث الماضية أكدت أن زمن الهيمنة المطلقة قد ولى إلى غير رجعة، كما أن دماء الشهداء وتضحيات الأحرار في غزة ولبنان واليمن وكل ربوع محور المقاومة أسست لواقع جديد عنوانه الأبرز حتمية الزوال للكيان الصهيوني، وانبعاث أمة قوية قادرة على صنع مصيرها بيدها وبإرادة أبنائها الأحرار.

.png)
.png)


.jpg)

