طلال الغادر
يُعد التفريط من أخطر الآفات التي تصيب الأمم والشعوب، فهو ذلك الموقف السلبي الذي يتخذ الإنسان فيه اللامبالاة والتقاعس منهجًا، فيسمع الحق ولا يعمل به، ويرى الباطل ولا يقاومه، فتجني الأُمَّــة ثمار هذا التقصير من هوان وذل وضعف.
وقد قدّم شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- في محاضرته «دروس من وحي عاشوراء» تحليلًا عميقًا لظاهرة التفريط من خلال قراءة تاريخية نقدية لواقعة كربلاء، مبينًا أنها لم تكن حدثًا عارضًا، بل كانت نتاجًا طبيعيًّا لتفريط متراكم في مسيرة الأُمَّــة الإسلامية منذ اليوم الأول لرحيل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.
إن التفريط هو الجريمة الصامتة التي تمهد الطريق للجريمة الصارخة، فمن يسمع صوت الحق ولا يتحَرّك يكون شريكًا في الدماء التي تُسفك بعد حين.
أسباب التفريط
أولًا: عشق السلطة والمنصب
إن عشق المنصب هو المحرك الأَسَاسي لسياسات التبرير والتسويف، فالحكام الذين يعشقون السلطة يضحون بالدين والأمة؛ مِن أجلِ بقائهم على كراسيهم.
يقول:
«إن من يعشق السلطة هو نفسه من يمكن أن يُبقي مثل معاوية على الشام، وهو نفسه من يمكن أن يبيع دينَ الأُمَّــة».
ثانيًا: التبرير بالحكمة الزائفة
من أخطر مظاهر التفريط أن يسمي الإنسان تقصيره «حكمة» أَو «سياسة» أَو «واقعية».
وينتقد النص بشدة من يرى في الإبقاء على المضلين «حكمة»، مستشهدًا بموقف الإمام علي -عليه السلام- الذي رفض أن يُبقي معاوية دقيقة واحدة، رغم أن البعض نصحه بالانتظار حتى تثبت خلافته.
وهذه الحكمة المزعومة هي التي أوصلت الأُمَّــة إلى مآسيها.
ثالثًا: رؤية العواقب قبل الإيمان (لن نؤمن حتى نرى)
يشير النص إلى الروحية العربية المتمثلة في قول الله تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}، وهي أن الناس لا يصدقون التحذيرات إلا بعد أن يروا العواقب ماثلة أمامهم.
هذا التفريط جعل أهل العراق يسمعون عليًّا يحدثهم ويحذرهم، لكنهم لم يتحَرّكوا حتى رأوا سيف يزيد مسلطًا على رقابهم، والحجاج وغيرهم.
رابعًا: الخوف من غير الله
يُعد الخوف من القوى البشرية سببًا رئيسيًّا للتفريط، فمن يخاف «العصا الغليظة» -كما يصفها البعض اليوم- يصبح أسير التهديدات، ويتخذ مواقف غير طبيعية.
يقول شهيد القرآن -رضوان الله عليه-: «ما الذي جعل الأمور تصل إلى أن يصبح الضحية في الساحة الإسلامية هو الحسين؟ إنها الانحرافات الأولى.
ومعنى أن تُضل أُمَّـة بعد أن جاء هدي الله يكون صرفًا للأُمَّـة عن القرآن».
آثار التفريط
تمكين الباطل: فالتفريط هو الذي مكّن يزيد من الخلافة، ومعاوية من الإمارة، وأمريكا من الفرعنة ضد الأُمَّــة.
انقلاب الموازين: إذ يجعل الناس يقفون في صف الباطل ضد الحق، كما حدث لأهل العراق الذين قاتلوا الحسين بعد أن كانوا قد بايعوه، وطابور التطبيع اليوم يحذو حذوهم.
تعاقب النكبات: فكل تفريط يولد تفريطًا أكبر، ويخلق سلسلة من المآسي تمتد عبر الأجيال.
ضياع القدوات: حَيثُ يفقد الناس عظماءهم الذين كانوا يمثلون الهدى والنور، فتخسر الأُمَّــة خسارة لا تعوض.
كيفية تجاوز التفريط
أولًا: العودة إلى القرآن الكريم
يدعو شهيد القرآن إلى ربط الأُمَّــة بالقرآن من جديد: «يجب أن نرتبط بالقرآن من جديد، ونتعلمه ونعلم أبناءنا وبناتنا، ونكثر من تلاوته، ونهدي مصاحفه لبعضنا البعض».
فالقرآن هو المنهج الذي يكشف الحقائق ويعيد صياغة الوعي.
ثانيًا: إدراك أن الحكمة في المبادرة لا في التبرير
يجب أن نفهم أن الحكمة الحقيقية ليست في التسويف والانتظار، بل في اتِّخاذ الموقف الصحيح فورًا.
فالإمام علي رفض إبقاء معاوية لحظة واحدة، وهذا هو موقف القرآن.
ويقول: «إن الحكمة أن تعود إلى التاريخ، وتعود إلى القرآن، وتأخذ العبر والدروس من خلال تلك الأحداث».
ثالثًا: نبذ الخوف من غير الله
الموقف الإيماني أن نرى أمريكا وكيان الاحتلال كما يراهما القرآن: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ}.
ومن يفهم هذا حقًا لا يخاف «عصًا غليظة» يقول عنها القرآن إنها قشة ضعيفة.
رابعًا: استخلاص العبر من التاريخ
أمامنا رصيد هائل من الأحداث -ككربلاء، والحرة، وضرب الكعبة، واستشهاد الإمام زيد- وهذا يكفي لمن يريد أن يُبصر.
فالتفريط هو أن نكتفي بلوم الآخرين دون أن نسأل: هل نعيش الأسباب نفسها التي أوصلتهم إلى هناك؟
إن التفريط هو ألا تعتبر بما جرى، وأن تسمع التحذيرات وكأنها تُقال لغيرك، ثم تتفاجأ بأنك أصبحت جزءًا من المأساة التي كنت تلوم عليها غيرك.
إن تجاوز التفريط يحتاج إلى ثورة في الوعي والسلوك، ثورة تبدأ من إعادة قراءة التاريخ قراءة ناقدة، وترسيخ مبدأ أن السكوت عن الباطل هو مشاركة فيه، وأن المبادرة بالحق قبل فوات الأوان هي جوهر الإيمان.
وأعظمُ ما نتعلّمه من كربلاء أنها مدرسة في الصمود، وموقف من الباطل، ودرس في أن التفريط هو الجريمة الصامتة التي تسبق كُـلّ جريمة كبرى.
نسأل الله أن يرزقنا الوعيَ الذي يدفعنا إلى تجاوُزِ التفريط، والثباتَ على الحق حتى نلقاه.




.jpg)


