مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 3 ذو القعدة 1447هـ
في طوابير تمتد لساعات قبل شروق الشمس، يقف آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة على أمل الحصول على ربطة خبز واحدة، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية لعائلات أنهكها النزوح والحصار. فبعد استمرار العدو الصهيوني في عرقلة تنفيذ الاتفاق الموقع في أكتوبر 2025، تصاعدت أزمة الخبز وعادت مجددا إلى الواجهة بقوة، مدفوعة بنقص حاد في الطحين والوقود، وتراجع كبير في المساعدات الدولية.
وضمن هذا السياق الميداني المتدهور، يبدأ محمد جاد الله، النازح من مدينة رفح في المواصي جنوب قطاع غزة، وقوفه اليومي منذ الساعة الخامسة صباحاً، ويصف معاناته قائلاً: "ربطة الخبز قد تكفي أحياناً، لكنها في كثير من الأحيان لا تلبي احتياجات العائلة"، مشيراً إلى أنه يلجأ بعد ذلك إلى "التكية" بحثاً عن وجبة بديلة، وأحياناً ينام أطفاله دون طعام. ويتساءل بمرارة: "نحن الكبار يمكننا أن نصبر على الجوع، لكن كيف نقنع طفلاً يبكي جوعاً بأنه لا يوجد خبز؟".
ولا تتوقف حدود المأساة عند الحالات الفردية، بل تتفاقم في أوساط العائلات الكبيرة؛ إذ يواجه سالم الهواري، الذي يعيل أسرة من 11 فرداً، مأزقاً مضاعفاً؛ فبعد ساعات من الانتظار يحصل على ربطة واحدة تحتوي على عشرين رغيفاً، بمعدل "رغيف واحد لكل فرد يومياً"، وهي كمية لا تكفي في ظل انعدام البدائل الغذائية الأخرى.
-
جغرافيا الحرمان.. المعابر وأرقام صادمة
هذا الواقع الإنساني المتردي جاء نتاجاً لسياسة ممنهجة من التحكم الصهيوني في تدفق الإمدادات؛ فمنذ بداية العدوان في السابع من أكتوبر 2023، مرّ القطاع بثلاث محطات قاسية من المجاعة، تكشف المعطيات الميدانية أن الأزمة بلغت ذروتها عقب استغلال العدو الصهيوني الحرب في إيران لتشديد الحصار على غزة، حيث أعاد العدو الإسرائيلي فرض قيود صارمة على سلاسل التوريد، ما أدى إلى تراجع إنتاج الخبز بنسبة تتجاوز الـ 45% وفقاً لتقديرات جمعية أصحاب المخابز.
وعلى الرغم من نصوص اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، والذي قضى بإدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً ضمن البروتوكول الإنساني، يؤكد المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن سلطات العدو الإسرائيلي تتبع سياسة ممنهجة لتجويع القطاع، عبر التحكم الصارم بتدفق السلع الأساسية، لافتاً إلى أن القطاع يواجه تدهوراً خطيراً في الأمن الغذائي.
وفي سياق التدليل على هذا التدهور، بيَّن الثوابتة -بالمعطيات الرقمية- حجم الكارثة الإنسانية التي تضرب القطاع؛ إذ يبلغ الاحتياج اليومي من الدقيق نحو 450 طناً، بينما لا يسمح العدو الإسرائيلي بدخول أكثر من 200 طن فقط. هذا العجز الرقمي يترجم ميدانياً إلى شلل في منظومة الإمداد، حيث لم تتجاوز الكميات المدخلة 38% مما كان عليه الحال قبل الحرب، رغم نصوص البروتوكول الإنساني لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2025، محذراً من أن استمرار تراجع تدفق المساعدات وعدم الالتزام بإدخال الشاحنات قد يؤدي إلى انهيار ما تبقى من منظومة توفير الخبز في القطاع.
وتعزيزاً لهذه الحقائق الدامغة، تشير بيانات المكتب إلى أنه لا يعمل حالياً سوى نحو 30 مخبزاً فقط في القطاع، بانخفاض حاد عن مستويات ما قبل الحرب، وبطاقة إنتاجية يومية تقارب 133 ألف ربطة خبز، منها 48 ألفاً تُوزع مجاناً و85 ألفاً تُباع بأسعار مدعومة عبر 142 نقطة بيع.
-
تراجع المساعدات واشتداد القيود
وبموازاة سياسة التقييد هذه، يشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 1.6 مليون شخص في قطاع غزة (ما يعادل 77% من السكان) يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتشمل هذه الفئة أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل ومرضع، في مؤشر مقلق على كارثة صحية وغذائية وشيكة.
وعليه، تزداد جذور عوامل تشابك الأزمة؛ فإلى جانب الحصار الذي يفرضه العدو الإسرائيلي على المعابر، توقفت عدة مؤسسات إغاثية دولية عن تقديم دعمها الحيوي. فقد أوقف "المطبخ المركزي العالمي" دعمه للدقيق، بعد أن كان يوفر ما بين 20 و30 طناً يومياً، كما خفض برنامج الأغذية العالمي كميات الطحين التي يوزعها من 300 إلى 200 طن يومياً.
بيد أن الحرب على الرغيف تجاوزت حدود شح المواد، فخلف الطوابير البشرية، تقبع أزمة تقنية لا تقل خطورة عن نقص الغذاء؛ فقد رصدت كاميرات الرصد الميداني تهالك الماكينات التي تعمل عبر مولدات طاقة متهالكة في ظل إمعان العدو على منع إدخال أدوات الصيانة وقطع الغيار والزيوت الصناعية منذ شهور.
وبحسب تأكيد رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، فإن القطاع يعاني عجزاً حاداً في الإنتاج يصل إلى 45%، ويوضح أن استمرار منع إدخال الزيوت الصناعية للمولدات وقطع غيار المخابز يفاقم الأزمة، مشيراً إلى أن المخابز التي لم تخضع للصيانة منذ عامين بدأت بالانهيار. ويحذر من أن الأزمة المقبلة قد تكون "أزمة ماكينات" وليس طحيناً فقط، فتوفر الطحين يصبح بلا جدوى في حال فقدت القدرة على خبزه.
-
السوق السوداء.. قصة الجوع الموازي
هذا الشلل المتعمد في منظومة الإنتاج لم يتوقف عند شح الإمدادات، بل امتد لتخلق تشوهات اقتصادية عميقة؛ حيث باتت "الفجوة السعرية" بين الخبز المدعوم والتجاري تعكس عمق المأساة المعيشية. فبما أن ربطة الخبز المدعومة تُباع بـ 3 "شواكل"، يقفز سعرها في السوق الموازية إلى ما بين 7 و15 "شيكلاً"، في قفزة جنونية تزامنت مع ارتفاع سعر كيس الطحين من 25 "شيكلاً "إلى 100 "شيكل" بالرغم من قدرة السواد الأعظم من سكان غزة عن الشراء من الأسواق نتيجة لتعطل الأعمال وإيقاف الحركة التجارية الناتجة عن الحصار الإسرائيلي والتدمير الممنهج لكل معالم الحياة في غزة. ويصف سمير بارود (أحد المواطنين الملازمين لنقاط التوزيع) هذا الوضع بالجهد الذي يفوق طاقة البشر، مؤكداً أن "التأخر لدقائق عن موعد الفجر يعني عودة الآباء خاليي الوفاض ليواجهوا عجزهم أمام أطفالهم".
وتتعمق هذه الأزمة الهيكلية مع تآكل الحصص اليومية؛ إذ يكشف محمود الكيلاني (صاحب نقطة توزيع مرخصة) عن تراجع الحصة المخصصة لنقطته من 1000 ربطة يومياً إلى 750 ربطة فقط، ما يضطر الموزعين لتقنين الحصص بواقع ربطة واحدة لكل عائلة مهما بلغ عدد أفرادها. ولا تقتصر المعاناة على توفر الخبز، بل تمتد لتشمل "أزمة السيولة" وشح العملات المعدنية (الفكة)، وهو ما أشار إليه وائل درويش بقوله إن "تأمين ثمن الربطة بات رحلة بحث مضنية بحد ذاتها"، حيث يضطر النازحون للاستدانة لتوفير ثمن الخبز المدعوم الذي أصبح بعيد المنال.
-
أرقام تنذر بالسقوط الكامل
من الناحية الاستراتيجية، يعاني قطاع المخابز من نزيف حاد، حيث أكد عبد الناصر العجرمي، رئيس جمعية أصحاب المخابز، أن الحرب دمرت أكثر من 30 مخبزاً، في حين تعمل 30 منشأة أخرى بنصف طاقتها، وتنتظر 15 منشأة مستلزمات التشغيل الغائبة. ولم تتوقف الضغوط عند التدمير المباشر، بل شملت ارتفاع تكاليف التشغيل بشكل خيالي؛ إذ ارتفع لتر الزيت المعدني للمولدات من 15 "شيكلاً" إلى 2000 "شيكل" في السوق السوداء، إضافة إلى تكلفة نقل الطحين التجاري التي بلغت 20 ألف "شيكل" للشاحنة الواحدة، ما جعل الاستمرار في الإنتاج "انتحاراً اقتصادياً"، وهذه إحدى تجليات سياسة الحصار الذي يفرضه العدو على القطاع.
-
انهيار الخبز المنزلي وتداعيات صحية خطيرة
وبعد تقويض القدرات الإنتاجية الكبرى، لم يعد الخبز المنزلي خياراً متاحاً للكثيرين؛ حيث يؤكد نضال عبد العال أن الطوابير الطويلة عادت بسبب ارتفاع الأسعار، وتتزامن مع نقص وقود الطهي، "ما منع عائلاتنا من الخَبز في المنازل، وأصبحنا نعتمد كلياً على المخابز المدعومة". وفي غياب الكهرباء وغاز الطهي وحتى الحطب، تضطر الأسر إلى تقليص وجباتها اليومية أو الاعتماد على بدائل أقل قيمة غذائية، ما يهدد بارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال وكبار السن.
وإلى جانب الجوع المحدق، تبرز أزمة صحية متفاقمة؛ فمع تدمير العدو الإسرائيلية للبنية التحتية، وانتشار القوارض والحشرات في مخيمات النزوح المفتقرة لأدنى شروط النظافة، تتفاقم المخاطر الصحية، وسط تحذيرات من تفشي الأمراض والأوبئة.
-
جوع أشد من الحرب
تتجاوز "المجاعة الثالثة" التي تنهش جسد قطاع غزة حدود النقص العابر في الموارد، لتتحول إلى أداة استراتيجية يستخدمها العدو بشكل ممنهج ضمن حرب التجويع التي تستهدف عصب الحياة اليومي؛ وهي حقيقة ميدانية يصيغها النازح من حي الزيتون، إبراهيم قنديل، في شهادة دامغة تختزل انهيار المنظومة الدولية المتواطئة مع العدو. فخلف مشهد المسافات الطويلة والانتظار الذي يمتد لساعات من أجل "ربطة خبز" واحدة لا تسد رمق أسرة مكونة من تسعة أفراد، تبرز حقيقة التغول الصهيوني في استهداف الشعب الفلسطيني، حيث لم تعد المعاناة مجرد أرقام، بل صارت واقعاً مريراً لخصه قنديل بعبارة تقريرية جازمة: "الجوع أصعب من القصف والحرب، وما نعيشه اليوم كارثة بكل معنى الكلمة".
إن المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تؤكد من جديد أننا أمام حفنة من المجرمين اليهود الصهاينة الذين يشكلون خطرا على البشرية، وأن التخاذل أمام هذا الإجرام سيجعل هذا الخطر يتوسع حتى يصل إلى كل المتخاذلين والصامتين فلن ينجو من شر اليهود إلا من حمل السلاح لمواجهتهم.
