مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 5 ربيع الآخر 1448هـ
في تطور نوعي يعكس نقلة استراتيجية في مسار المواجهة، أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن إسقاط طائرة حربية سعودية من طراز "إف-15" بصاروخ أرض-جو محلي الصنع في أجواء محافظة مأرب، في عملية جاءت رداً على استمرار العدوان والحصار. وقد بث الإعلام مشاهد لعملية الاستهداف أظهرت إصابة الصاروخ للطائرة بشكل مباشر رغم إطلاقها للعديد من البالونات الحرارية (Flares) ومناوراتها الجوية المكثفة، وهو ما يؤكد تطوراً لافتاً في قدرات الدفاع الجوي اليمني. هذا الحدث جاء بعد سلسلة إنجازات متتالية أسست لمعادلة جديدة في معركة التصدي للعدو السعودي.
-
تفاصيل العملية: إصابة مباشرة رغم المناورات الجوية
وفقاً للبيان الصادر عن المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، تمكنت الدفاعات الجوية من إسقاط الطائرة السعودية أثناء قيامها بأعمال عدائية دعماً لتحشيداتها العسكرية في محافظة مأرب، وذلك باستخدام صاروخ أرض-جو محلي الصنع. والأمر اللافت في هذه العملية هو أن الطائرة -رغم استخدامها لوسائل الحماية المتطورة كالبالونات الحرارية والمناورات الجوية المراوغة- لم تتمكن من تفادي الصاروخ الذي أصابها بشكل مباشر، ما يشير إلى أن المنظومة الدفاعية المستخدمة قد تجاوزت قدرات التشويش والحماية التقليدية. كما أشار البيان إلى أن القوات المسلحة تمكنت لاحقاً من التصدي لتشكيلين قتاليين سعوديين من نوع "إف-15" و"تايفون" كانا يبحثان عن حطام الطائرة، وأُجبرا على التراجع بعد استهدافهما بصواريخ محلية الصنع.
-
تراكم الإنجازات
هذا الإنجاز هو تتويج لسلسلة من العمليات الناجحة التي نفذتها الدفاعات الجوية اليمنية، فقبل يومين فقط أعلنت القوات المسلحة عن التصدي لتشكيلين قتاليين سعوديين في محافظة صعدة من نوع "تايفون" و"إف-15"، كانا قد أقلعا من قاعدتي خميس مشيط والطائف، وتم إجبارهما على التراجع بصواريخ دفاع جوي محلية الصنع.
وعلى صعيد الطائرات المسيرة، حققت الدفاعات الجوية اليمنية إنجازات استثنائية، حيث تمكنت من إسقاط ما لا يقل عن 24 طائرة أمريكية من نوع "إم كيو-9" (MQ-9 Reaper) خلال معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس" المساندة للشعب الفلسطيني، وهو رقم يعكس قدرة عالية على التعامل مع أكثر الطائرات المسيرة تطوراً في العالم. وقد بلغ عدد طائرات "إم كيو-9" المسقطة في الأجواء اليمنية 25 طائرة، منها 21 منذ بدء المعركة المساندة لغزة و4 خلال فترة العدوان الأمريكي-السعودي.
كما أسقطت الدفاعات الجوية عشرات الطائرات من نوع "وينغ لونغ" (Wing Loong) وطائرات "بيرقدار" التركية الصنع، و"سي إتش-4" (CH-4) الصينية الصنع التابعة لسلاح الجو السعودي، وقد وصلت وتيرة الإسقاط إلى أربع طائرات خلال 24 ساعة فقط، ما يدل على تطور منهجي في أنظمة الرصد والاستهداف. ولم تتوقف الإنجازات عند الطائرات المسيرة، بل شملت أيضاً إسقاط طائرة "سكان إيغل" (Scan Eagle) الأمريكية الصنع بصاروخ أرض-جو محلي.
-
البعد التقني: كيف تمكنت الدفاعات الجوية من تحقيق هذه النقلة؟
تكمن أهمية هذه الإنجازات في كونها تتعلق بمواجهة طائرات متطورة تتمتع بقدرات تقنية عالية، فطائرة "إف-15" تعَدُّ من أكثر المقاتلات تطوراً في العالم، وتتميز بقدرتها على المناورة والمناوشة الإلكترونية وأنظمة الإنذار المبكر، بينما تعد طائرة "إم كيو-9" من أكثر الطائرات المسيرة تطوراً وتكلفة (حوالي 30 مليون دولار للطائرة الواحدة).
وقد كشفت تحليلات عسكرية متخصصة عن تطور نوعي في التكتيكات اليمنية، حيث أشارت مجلة "إير آند سبيس فورس" الأمريكية إلى أن الدفاعات الجوية اليمنية نفذت كميناً صاروخياً معقداً بستة صواريخ أرض-جو استهدف طائرتي "إف-16" أمريكيتين، حيث لم يفصل بين الطيارين والموت سوى 15 ثانية. وأوضحت المجلة أن التحليلات اللاحقة كشفت عن تكتيك يمني متقدم يتمثل في دمج الصواريخ الموجهة بالرادار مع المراقبة البصرية، واستخدام أجهزة الاستشعار الكهروضوئية والأشعة تحت الحمراء، وهي تقنيات عجزت أجهزة الاستشعار الأمريكية عن اكتشافها، ما يؤكد وجود تطور نوعي في القدرات الدفاعية اليمنية.
-
الأهمية الاستراتيجية: لماذا يُعَدُّ هذا الحدث فارقاً؟
-
تتجلى أهمية هذا الحدث في عدة أبعاد استراتيجية:
أولاً: كسر حاجز التفوق الجوي: لطالما اعتبرت القوات الجوية السعودية والأمريكية أن لها تفوقاً جوياً مطلقاً في الأجواء اليمنية، غير أن سلسلة الإسقاطات المتتالية، وصولاً إلى إسقاط طائرة "إف-15" في مأرب، أظهرت أن هذا التفوق لم يعد مضموناً، فالقدرة على إسقاط مقاتلة متطورة مثل "إف-15" بوسائل محلية الصنع تمثل إحراجاً استراتيجياً للقوى التي تتفوق تقنياً وتكنولوجياً.
ثانياً: فاعلية التكنولوجيا المحلية: إن استخدام صواريخ أرض-جو محلية الصنع في هذه العمليات يثبت أن اليمن تمكن من تطوير قدرات دفاعية ذاتية رغم الحصار، ما يجعل هذه القدرات قابلة للاستمرار والتطوير بعيداً عن الضغوط الخارجية. وصف العدو هذه الأنظمة بأنها متقدمة وعالية الجودة، قادرة على التعامل مع أهداف متطورة.
ثالثاً: تغيير معادلات الردع: بعد هذه الإنجازات، لم تعد الأجواء اليمنية مجالاً مفتوحاً للطيران الحربي المعادي، بل أصبحت مجالاً محفوفاً بالمخاطر، ما يفرض على القوات المعادية إعادة حساباتها عند التخطيط لأي عملية جوية. وقد وصف مراقبون عسكريون هذا التحول بأنه "معادلة ردع جديدة" تفرضها القدرات الدفاعية اليمنية.
-
التبعات: من الدفاع إلى فرض معادلة "الحصار بالحصار"
تكتسب هذه الإنجازات الدفاعية بعداً استراتيجياً أوسع عندما توضع في سياق معادلة "الحصار بالحصار" التي أعلنتها القوات المسلحة، فقد انتقلت القوات المسلحة اليمنية من موقع الدفاع والصبر الاستراتيجي إلى مرحلة الهجوم وفرض قواعد اشتباك جديدة، تجسدت في توقيف واحتجاز السفن والناقلات التجارية السعودية في البحر الأحمر، وإغلاق المنافذ الملاحية أمام الاقتصاد السعودي، رداً على استمرار الحصار وإغلاق الموانئ والمطارات اليمنية.
كما أن امتلاك هذه التقنية الدفاعية المتطورة يمنح اليمن قدرة على حماية منشآته الحيوية وقياداته من الضربات الجوية المعادية، ويقلل من فاعلية الحملات الجوية التي تشنها السعودية، والتي بلغت أكثر من 450 غارة في أسبوع واحد فقط، استهدفت محافظات تعز ولحج والجوف وحجة ومأرب وصعدة والبيضاء.
-
تحول استراتيجي في موازين القوى
إن التطور اللافت في قدرات الدفاعات الجوية اليمنية، المتوج بإسقاط طائرة "إف-15" في مأرب وإسقاط 25 طائرة "إم كيو-9" أمريكية وعشرات الطائرات المسيرة الأخرى، يمثل تحولاً استراتيجياً في موازين القوى الإقليمية، فقد أثبت اليمن قدرته على تطوير أنظمة دفاعية محلية قادرة على مواجهة أعتى التقنيات العسكرية، وتحويل أجوائه من مجال مفتوح للطيران المعادي إلى منطقة محظورة. وفي ظل معادلة "الحصار بالحصار"، باتت هذه القدرات الدفاعية ركيزة أساسية لاستراتيجية الردع اليمنية، وضمانة لاستمرار العمليات الهجومية في العمق السعودي. ولم يعد السؤال هو "هل يمكن إسقاط طائرات حربية متطورة؟" بل أصبح "كم عدد الطائرات التي سيسقطها اليمن قبل أن تدرك القوى المعادية أن قواعد اللعبة قد تغيرت؟"
