مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 9 ذو القعدة 1447هـ
حينما أطلق شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي "رضوان الله عليه" المشروع القرآني وما تضمنه من خطوات عملية مؤثرة وفيما كان الواقعٍ الذي تعيش فيه الأمة الإسلامية يعتبر أخطر مراحل الاستهداف المركّب، تتداخل فيه أدوات الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية العسكرية مع الحرب الناعمة والتضليل الفكري، فكان المشروع القرآني كمنهج إنقاذي يعيد تصحيح البوصلة، ويكشف حقيقة الصراع بعيدًا عن التزييف الإعلامي والعناوين المخادعة، وفي قلب هذا المشروع، جاءت الصرخة في وجه المستكبرين كأداة وعي، وسلاح موقف، وخطوة عملية مدروسة لإخراج الأمة من حالة الجمود والتدجين إلى فضاء المسؤولية والتحرك.
لقد مثّلت الصرخة في وجه المستكبرين (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام) نقطة انطلاق حقيقية لبناء حالة شعبية واعية، قادرة على إدراك طبيعة العدو، واستيعاب حجم التحديات، والتحرك وفق رؤية قرآنية متكاملة فهي عملية تربوية وتعبوية متكاملة، أعادت تشكيل الوجدان الجمعي، وأحيت روح العزة، ورسّخت مبدأ البراءة من أعداء الله، لتكون بذلك المدخل الأساسي للتحصين الشعبي، والانطلاقة الأولى نحو مشروع نهوض حضاري شامل.
يقول السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله: "أمام الواقع الخطر جداً الذي تعيشه الأمة، والذي يؤذن بمرحلة متقدمة، وليست أول الطريق بالنسبة للأمريكيين، وليست أول الخطوات بالنسبة لأمريكا و"إسرائيل" ومن يدور في فلكهم، لا. هي حلقة من حلقات، خطوة من خطوات، مرحلة من مراحل.
في هذا الواقع وتزامناً مع تلك المرحلة وتلك الظروف، أطلق السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه الصرخة في وجه المستكبرين، هتاف الحرية والبراءة، شعار (الله أكبر/ الموت لأمريكا/ الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود/ النصر للإسلام)، وأعلن بذلك انطلاقة المشروع القرآني، وذلك بتاريخ 17/1/2002م، صادف ذلك آخر جمعة من شهر شوال في ذلك العام.
هذا المشروع القرآني الذي هذا شعاره، يهدف إلى استنهاض الأمة لمواجهة التحديات الكبرى، والمخاطر الجسيمة التي تهدد وجودها؛ نتيجة الهجمة الأمريكية والإسرائيلية غير المسبوقة، وإلى تصحيح وضع الأمة بالعودة إلى القرآن الكريم والتثقف بثقافته والاهتداء به، وإلى التحرك العملي وفق خطوات متعددة، كان من بينها الشعار، ومن بينها مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، ونشر الوعي في أوساط الأمة.
هذا المشروع ركّز بشكل كبير على الصرخة بهذا الشعار والهتاف، ومقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، لما تمثله هذه المسألة من أهمية كبيرة جداً في مواجهة أمريكا و إسرائيل التي عماد قوتها هو إمكاناتها الاقتصادية، بالإضافة إلى الصرخة والمقاطعة تم التركيز على العناية بالثقافة القرآنية ونشر الوعي من خلالها والتحرك عملياً على ضوئها في مواجهة مؤامرات أمريكا وإسرائيل، في كل المجالات، والتصدي لهجمتهم الشرسة الشاملة على الأمة.(1)
-
وهكذا حقق هذا الشعار العديد من النتائج المهمة، منها:
1ـ حقق نقلة نفسية ومعنوية وواقعية وعملية: فقد مثَّـلَ الشعار -في الاتجاه العملي- بداية حكيمة ودقيقة ومدروسة للدفع بالناس، وتحقيق نقلة من واقع الصمت وواقع الاستسلام وواقع الخضوع وحالة اللاموقف إلى الموقف، إلى الكلام، إلى التحرك، إلى الفعل، إلى المسؤولية، وكانت بداية مدروسة؛ لأنها أولًا: مسألة سهلة ومتاحة لكل واحد، كل من كان فصيحًا غير أخرس، من لم يكن أبكم يمكنه أن يهتف بهذه الخمس الجُمَل، أي: خطوة سهلة؛ لكنها مهمة وفاعلة ومؤثرة ولها أهداف ولها نتائج، وبداية ممكنة.
شهيد القرآن لم يأت ليدفع بالأمة إلى موقف كبير جدًّا عليهم. لم يتهيؤوا نفسيًّا ولا معنويـًّا للانتقال إليه، بل انتقال متدرج، خطوة مفيدة، خروج من حالة الصمت وحالة اللاموقف وحالة التنصل عن المسؤولية إلى الموقف، وموقف متاح، سهل، ممكن.
هذا الموقف حقق نتائج، أولًا: على مستوى الهاتفين بالشعار: لقد ترك أثرًا معنويًّا كبيرًا في أنفسهم، هذا على مستوى الذين هتفوا بالشعار وانطلقوا، غيّـرَ واقعهم تمامًا، أحيا فيهم الشعور بالمسؤولية، والعزة، والقوة، أحيا فيهم أنهم أصبحوا في موقع المسؤولية، وبالتالي رأوا أنفسهم بحاجة إلى الالتجاء إلى الله، وفي حالة جهادية، رأوا أنفسهم أصبحوا في مباينة للظالمين والمجرمين والمستكبرين، أصبح لهم موقف، أصبح لهم مشـروع، أصبحوا في مواجهة تحدٍّ. فحقق نقلة نفسية ومعنوية وواقعية وعملية، وترك أثرًا تربويـًّا ترافق معه النشاط التثقيفي المستمر الذي كان يقوم به السيد -رضوان الله عليه- في الليل والنهار، يتحرك دائـمًا بتعبئة إيمانية وتثقيف قرآني يعزز الروح المعنوية، فترك أثره العظيم في وجدان الهاتفين بالشعار، المتحركين، المنطلقين الذين استجابوا وتحركوا في إطار هذا المشـروع مع النشاط التثقيفي المستمر والتعبئة الإيمانية المستمرة، فوجدوا أنفسهم في حالة ارتقاء معنوي إيماني وشعور بالعزة يتزايد، العزة الإيمانية، وتعزيز لحالة الثقة بالله سبحانه وتعالى، مع كل أسبوع، مع كل ظرف، كلما تزايد الوقت، شعروا أكثر وأكثر بثقتهم بالله واعتمادهم على الله واحتقارهم لكل أولئك الطاغين والمستكبرين.
2ـ حطم جدار الصمت: فهذا الهتاف حطَّم جدار الصمت، وأخرج الأمة من حالة السكوت إلى الموقف، من حالة اللاموقف إلى الموقف، وهذه خطوة مهمة في واقع الأمة، بدلاً من أن تبقى الأمة صامتة! لا موقف لها! ولا تحرك لها! وتبقى على النحو الذي يريده أعداؤها منها، "لا"، يجب أن تتحرك الأمة، وأن تعبر عن حالة سخطها وعدائها لأولئك الظالمين والعابثين والمستكبرين في الأرض. هذه مسألة مهمة، تواجه حالة معينة، مشروع معين تعمل عليه أمريكا وتتحرك أيضاً على أساسه "إسرائيل". فهو كذلك مشروع استنهاض للأمة للتحرك عملياً في مواجهة الأخطار الحقيقية؛ لأن الكثير من أبناء الأمة، وفي أوساط الأمة -عمومًا- مستاء -بالتأكيد- من أمريكا، ومستاء من "إسرائيل"، وله موقف مختزن في داخله يعبر عن هذا الاستياء، ويحمل هذا الاستياء، لكنه لا يترجم عمليًا، حالة الجمود والغفلة والسكوت والقعود يجعل من الأمة ضحية وفريسة سهلة لأعدائها، ويجعل منها أيضاً ساحة مفتوحة للاستقطاب، لأن هذه الفئة الساكتة الجامدة التي تشكل أغلبية الأمة.
أغلبية الأمة هي قابلة لأن يضمحل في واقعها هذا الاستياء، هي قابلة لأن تكون ساحة مفتوحة للاستقطاب، وساحة أيضًا مفتوحة وميداناً مفتوحاً كذلك للتضليل والإغواء، يعني ليس لديها حصانة معنوية ثقافية فكرية تحميها من ذلك. كان من أهم أهداف هذه الصرخة وهذا المشروع مواجهة فرض حالة الصمت والسكوت التي واكبت التحرك الأمريكي والإسرائيلي؛ لأن الذي كان يجري في مقابل هذا التحرك الكبير للأمريكيين وهذه الهجمة الشرسة وغير المسبوقة على الأمة، كان الذي يواكب ذلك وكان يتزامن مع ذلك فرض لحالة الصمت وحالة السكوت في أوساط الأمة أن لا أحد تتحرك، أن لا أحد يتخذ موقفاً، لا أحد ينشط في أوساط الأمة لاستنهاضها في مواجهة هذا الخطر. وهذه المسالة سيئة للغاية؛ لأن معناها تكبيل الشعوب بقيود الذل والهوان، وتقديم الأمة فريسة سهلة لأعدائها وتهيئة الأمة لسيطرة أعدائها دونما أي كلفة بالنسبة للأمريكي".(2)
3ـ أوجد حالة كبيرة من السخط: يقول السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- في محاضرة (الصرخة في وجه المستكبرين): "نعود من جديد أمام هذه الأحداث لنقول: هل نحن مستعدون ألَّا نعمل شيئًا؟ ثم إذا قلنا نحن مستعدون أن نعمل شيئًا فما هو الجواب على من يقول: (ماذا نعمل؟) أقول لكم أيها الإخوة: اصـرخوا، ألستم تملكون صـرخة أن تنادوا: الله أكبر - الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود - النصر للإسلام هذه الصـرخة أليس كل واحد بإمكانه أن يعملها وأن يقولها؟ إنها من وجهة نظر الأمريكيين -اليهود والنصارى- تشكل خطورة بالغة عليهم. لنقل لأنفسنا عندما نقول: ماذا نعمل؟ هكذا اعمل، وهو أضعف الإيمان أن تعمل هكذا، في اجتماعاتنا، بعد صلاة الجمعة، وستعرفون أنها صـرخة مؤثرة، كيف سينطلق المنافقون هنا وهناك والمرجفون هنا وهناك ليخوفوكم، يتساءلون: ما هذا؟.
أتعرفون؟ المنافقون المرجفون هم المرآة التي تعكس لك فاعلية عملك ضد اليهود والنصارى؛ لأن المنافقين هم إخوان اليهود والنصارى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُـرَنَّكُمْ[الحشـر:11] فحتى تعرفوا أنتم، وتسمعوا أنتم أثر صـرختكم ستسمعون المنافقين هنا وهناك عندما تغضبهم هذه الصـرخة، يتساءلون لماذا؟ وينطلقون ليخوفوكم من أن ترددوها.
إذًا عرفنا أنَّ باستطاعتنا أن نعمل، وأن بأيدينا وفي متناولنا كثيرًا من الأعمال، وهذه الصـرخة (الله أكبر - الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود - النصر للإسلام) هي ستترك أثرها، ستترك أثرًا كبيرًا في نفوس الناس إن شاء الله. ما هو هذا الأثر؟ إنه السخط، السخط الذي يتفاداه اليهود بكل ما يمكن، السخط الذي يعمل اليهود على أن يكون الآخرون من أبناء الإسلام هم البديل الذي يقوم بالعمل عنهم في مواجهة أبناء الإسلام، يتفادون أن يوجد في أنفسنا سخط عليهم؛ ليتركوا هذا الزعيم وهذا الرئيس وذلك الملك وذلك المسؤول وتلك الأحزاب، تتلقى هي الجفاء، وتتلقى هي السخط، وليبقى اليهود هم أولئك الذين يدفعون مبالغ كبيرة لبناء مدارس ومراكز صحية وهكذا ليمسحوا السخط.
إنهم يدفعون المليارات من أجل أن يتفادوا السخط في نفوسنا، إنهم يعرفون كم سيكون هذا السخط مكلفًا. كم سيكون هذا السخط مخيفًا لهم. كم سيكون هذا السخط عاملًا مهـمًّا في جمع كلمة المسلمين ضدهم. كم سيكون هذا السخط عاملًا مهـمًّا في بناء الأمة اقتصاديًّا وثقافيًّا وعلميًّا. هم ليسوا أغبياء مثلنا يقولون ماذا نعمل؟. هم يعرفون كل شـيء، من خلالهم تستطيع أن تعرف ماذا تعمل، إذا كنت لا تعرف من خلال القرآن الكريم ماذا تعمل ضدهم؟.
والقرآن الكريم هو الذي أخبرنا عنهم، وكيف نعمل ضدهم، فحاوِل أن تعرف جيدًا ما يدبره اليهود والنصارى؛ لتلمس في الأخير إلى أين يصل، ولتعرف في الأخير ماذا يمكن أن تعمل".
ويقول السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله: "إذًا الشعار هو يعبر عن حالة سخط يجب أن تسود الأمة. لا ينبغي أبدًا أن يحل محل هذا السخط حالة رضا، لأن حالة الرضا تلك هي التي ستمهد لأن تقبل الأمة بهيمنة أولئك وباحتلالهم للبلدان وسيطرتهم على المقدرات، ويمكن من خلال ذلك أن تكون الأمة قابلة لأي شيء يأتي من جانبهم مهما كانت خطورته.
حالة السخط يجب أن تكون حالة قائمة في واقع الأمة، هي تهيئ الأمة لتبنّي المواقف اللازمة، وهي تحصن الأمة تجعلها متنبهة، مدركة، ترقُب الوضع، ترصد الأحداث، تتنبه لطبيعة المؤامرات والمكائد، وبالتالي تتصدى لها".(3)
-
حالة السخط ستكون حافزًا مهماً للنهوض الحضاري للأمة
أيضاً ستكون حافزًا مهمًا لأن تتحرك الأمة في بناء واقعها الداخلي، لأن الأمة الإسلامية، ونحن نتحدث عن الحال الأغلب، وإلّا هناك صحوة في بعض البلدان، هناك تحرك، هناك واقع إيجابي، ولكنها حالات استثنائية جداً، نحن نتحدث عن الحال الأغلب في واقع الامة، واقع الأمة ليس قائمًا على أساس أنها أمة تعيش في مواجهة أخطار وتحديات ولها أعداء بهذا المستوى، بهذا الخبث، بهذا المكر، وتعيش حالةً من الاستهداف الكبير. بالتالي: هي تعيش حالة التدجين، وحالة الخضوع، وهذه الحالة عطّلت واقع الأمة من التوجه إلى عوامل البناء، إلى عوامل القوة، لأن الأمة التي تعيش الإدراك والإحساس بالخطر وبأن لها أعداء يستهدفونها، هذا الإحساس وهذا الشعور يدفعها إلى أن تبحث عن عوامل القوة، لتبني نفسها، لتكون قويةً فتتمكن من دفع الأخطار ومواجهة التحديات. ولكن حينما تفقد الأمة هذا الشعور: الإدراك للتحدي، والإحساس بالخطر، ومعرفة من هو العدو الحقيقي، وطبيعة الاستهداف، حينما تفقد هذا الإحساس، وهذا الشعور وتخسر هذا الإدراك بالتالي: تتجمد، لا تنهض، لا تتحرك، لا تبني نفسها، لا تبني واقعها، تقبل بالمستوى الذي هي عليه من الضعف!.
ولهذا -حتى على مستوى النهوض الحضاري- الأمة بحاجة إلى أن تدرك أنها تعيش تحديات وأخطارًا، يجب عليها أن تبني نفسها لتكون قوية، لتكون في مستوى مواجهة تلك الأخطار وتلك التحديات، لكن حالة التدجين للأمة التي رافقها أيضًا حالة من ترسيخ الشعور بالعجز والشعور بالضعف والشعور بالإحباط والشعور باليأس والنظرة إلى الآخر أنه مهيمن وأن هيمنته قضاء وقدر لا يمكن الفكاك منه، هذه حالة سيئة جدًا أسهمت -إلى حدٍ كبير- لمصلحة الأعداء، أن تزداد هيمنتهم، وأن تزداد أيضًا سيطرتهم على بلداننا ومقدراتنا وشئوننا.
نحن حينما نتحدث عن توصيف الواقع، هذه هي مسألة مهمة جدًا، التوصيف لواقعنا الذي نعيشه كعرب وكمسلمين، والتوصيف أيضًا والتشخيص للحالة التي نعيشها، أيضًا التوصيف والتحديد لمنبع الخطورة، ومصدر الخطورة، وجهة الخطورة التي تتهددنا، هذه كلها هي ركائز واقعية إذا أدركناها أدركنا وعرفنا ماذا يجب أن نعمل؟ وماذا يجب أن نفعله لنغير هذا الواقع بدءًا من تغيير ما بأنفسنا إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد11].
فهذا الشعار هو يعبر عن حالة سخط يجب أن تعيشها الأمة، وأن تتنامى هذه الحالة لتكون حصناً محصناً للأمة من اختراق الأعداء، لتكون حافزًا لبناء الأمة أيضًا في ما يقويها، في ما تحتاج إليه من عوامل القوة لمواجهة التحدي والخطر، وأيضًا لتستفيد منه الأمة بشكل كبير كعامل مهيئ لتبني المواقف اللازمة والاستعداد للمواقف اللازمة.
في المقابل هناك من يعمل لمصلحة الأعداء، فيعزز في واقع الأمة أولاً: النظرة الإيجابية إلى أعدائها، فيجمد الأمة وتبقى على حالها وأسوأ. وثانيًا: يحاول أن يوظف هذه الأمة وكل مقدرات الأمة لمصلحة أعدائها على أساس أنهم أصدقاء، في قلب للحقائق وتعكيس لها. ولذلك يجب أن نسعى إلى نشر حالة الوعي التي تترافق مع الموقف، والشواهد الكثيرة والعظيمة والمهمة والمتجددة كافية في دحض كل زيف ينطلق من جانب العملاء الذين يعملون لصالح أعداء الأمة.
لاحظوا: من أهم ما تحرص عليه أمريكا وتحرص عليه "إسرائيل" بالرغم من كل ما يفعلونه بأبناء الإسلام، ما يفعلونه بنا في المنطقة العربية وغيرها، ومما قد فعلوه من فظائع وجرائم وأمور رهيبة جدًا، لكنهم بالرغم من كل ذلك يحرصون على أن يتفادوا سخط هذه الأمة! وأن يخترقوا هذه الأمة، أن يحتووا حالة السخط في داخل هذه الأمة، بل أن يحولوها إلى حالة رضا، وإلى نظرة إيجابية نحوهم، جهود كبيرة تصب في هذا السياق إلى أن يعززوا ويخلقوا نظرةً إيجابيةً تجاههم من داخل الأمة! وفي هذا السياق مشاريع ومؤامرات كثيرة تتحرك في داخل الأمة، لتحقيق هذا الهدف حتى لا تكون الأمة ساخطةً عليهم بالمستوى وبالمقدار الذي يهيئها لأن تتبنى مواقف عدائية تجاه مواقفهم العدائية.
جهود كبيرة، واهتمام كبير، ومشاريع متعددة، عملية متنوعة تُشَغَّل في داخل الأمة حتى لا تبقى النظرة السلبية قائمة في واقع الأمة إليهم على أنهم أعداء! وأنهم يستهدفون الأمة في كل شيء، وأنهم مصدر الخطر، وجهة الخطر، ومنبع الخطورة على هذه الأمة. ثم اشتغلوا بوسائل كثيرة جدًا، وحاولوا أن يوجهوا بوصلة العداء هناك، بعيدًا عنهم، إلى أطراف أخرى، وإلى جهات أخرى، فيما حاولوا أن يعززوا في واقع الأمة نظرةً مختلفةً إليهم، وساهمت الأنظمة والحكومات إسهامًا كبيرًا في هذا المجال لتعزيز نظرة إيجابية إلى الأمريكيين! والبعض حتى إلى الإسرائيليين!. هذه مأساة يترتب عليها نتائج سلبية للغاية؛ لأن الأمة لو أصبحت نظرتها إلى أعدائها نظرةً إيجابية فهذا سيكون عاملاً مثبطًا للأمة عن تبني المواقف اللازمة تجاه الأخطار التي تتهددها من جانب أولئك.
يجعلون الأمة غافلةً عن مؤامراتهم ومكائدهم، يجعل الأمة هي ذاتها متقبلةً منهم ما يفرضونه عليها فيما يضربها ويذلها ويهينها ويضعفها ويوصلها إلى المستوى الذي يريدونه ويريدون أن تصل إليه! وهذه مأساة، هذه كارثة، هذه مسألة في غاية الخطورة.(4)
-
4ـ خطوة عملية مهمة لمواجهة مشروع النفاق والعمالة والتدجين:
مثَّل الشعار والمقاطعة للبضائع الأمريكية والإسـرائيلية خطوة عملية مهمة لمواجهة مشـروع التدجين وفرض حالة الولاء والتسليم المطلق لأمريكا والإذعان لها ولإسـرائيل؛ لأنه تفرَّع عن المشـروع الأمريكي الإسـرائيلي الغربي في السيطرة على الأمة، تفرَّع عنه مشـروع النفاق من داخل الأمة، الأنظمة والحكومات والقوى السياسية التي حذت حذوها، والتي ارتبطت عملـيًّا بالمشـروع الأمريكي في السيطرة على الأمة.
في حالة يُوَصِّفُها القرآن الكريم بأنها حالة نفاق، المنافقون من داخل الأمة الذين يحملون المشـروع الهدَّام في ضـرب الأمة من الداخل، في فرض حالة الولاء داخل الأمة لصالح أعدائها، في فرض حالة التسليم المطلق داخل الأمة لأعدائها. هذا المشـروع النفاقي داخل الأمة الذي حمله منافقو الأمة، من حكوماتها وأنظمتها وبعض القوى السياسية التي حذت حذوها؛ فعملت داخل الأمة لتفرض على الشعوب حالة الاستسلام، وحالة القبول بهيمنة أمريكا، وحتى عدم الاعتراض، ومَنْ يعترض يحاولون أنْ يقمعوه بعد أنْ يشوهوه إعلامـيًّا وسياسيًّا، ويستهدفونه بكل وسائل الاستهداف؛ لتبقى الحالة السائدة في أوساط الشعوب هي حالة الاستسلام والإذعان والخضوع الكامل لأمريكا و"إسـرائيل".
هذا المشـروع، مشـروع الشعار ومشـروع مقاطعة البضائع الأمريكية والإسـرائيلية وما ترافق معه من ثقافة قرآنية، هذا المشـروع يواجه المشـروع النفاقي، ويُفَعِّل الأمة في حالةٍ من التعبير عن العداء والسخط، ويهيئ الأمة لأي موقف تحتاج إليه بالتالي لمواجهة العدو، خطوة أساسية تخرج بها الأمة من حالة اللاموقف إلى الموقف، وتُمنع من حالة العمالة وحالة النفاق وحالة الهيمنة والقبول بالهيمنة من داخل الأمة نفسها. فهو مشـروع يواجه مشـروعًا آخر: مشـروع النفاق والعمالة من داخل الأمة الذي يحاول أن يفرض على الأمة القبول بالهيمنة الأمريكية، والتسليم لها، وعدم الاعتراض عليها، وعدم تبني أي موقف تجاهها، يحاول أن يفرض حالة الصمت وحالة القبول وحالة الخضوع وحالة الإذعان وحالة الاستسلام.
فأتى هذا المشـروع ليقول: لا، وليدفع الأمة في الاتجاه الصحيح ليكون لها موقف، ولتسخط وتعبر عن سخطها هذا، وليهيئها هذا السخط لأي موقف تحتاج إليه في المستقبل، فكان موقفًا مهـمًّا، إضافة إلى النتائج المهمة لمقاطعة البضائع الأمريكية والإسـرائيلية، على قوة الأعداء أنفسهم. كلما اتسعت مساحة هذا المشـروع تجلَّى أثره في الواقع إن شاء الله أكثر فأكثر.(5)
-
5ـ فضح الأمريكيين في أهم دعاياتهم:
لقد تحركت أمريكا بكل طغيانها وإجرامها وجبروتها ومعها كل قوى الكفر وكل قوى النفاق، تحركت وهي تستخدم أسلوب الخداع للشعوب، والدجل والتضليل، وكان خداعها ينطلي على الكثير من الناس. تحركت تحت عناوين جذابة ومخادعة، عنوان: الحرية، عنوان: الديمقراطية، عنوان: حقوق الإنسان، مع أن كل ممارسات أمريكا و"إسـرائيل" ومن معهما من قوى الكفر ومن قوى النفاق العميلة، كل ممارساتهم كانت تشهد بعكس ذلك، كل ممارساتهم الإجرامية تفضحهم وتكشف حقيقتهم.
هذا الشعار كشف حقيقتهم، كشف حقيقة أنه لا حرية لديهم ولا ديمقراطية عندهم ولا حقوق للإنسان لا في منهجهم ولا ممارساتهم ولا تصـرفاتهم ولا سياساتهم أبدًا. حريتهم التي يزعمون ويفتخرون بها ويخادعون الشعوب بها لم تطق ولم تتحمل الهتاف بخمس جُمَل، لم تطق حرية التعبير التي يرددونها كثيرًا، لم تطقنا ولم تتحملنا أن نعبر بخمس جُمل، لم يستطيعوا أن يتحملوا، وديمقراطيتهم التي يتغنون بها ليلًا ونهارًا كذلك لم تتحمل خمس جمل تردد بطريقة سلمية وحضارية معروفة، حقوق الإنسان كلها ذهبت أدراج الرياح، فامتُهِن الإنسان وظُلِم الإنسان وقهر ولم يكن له من حقوق.
ضُـربت هذه العناوين التي تستخدمها أمريكا لضـرب المنطقة واستهداف المنطقة، سببت إرباكًا كبيرًا لم يقدروا على أن يَصِفُوا هذا الشعار بالإرهاب؛ وبالتالي سبب لهم هذا إرباكًا كبيرًا: ما هو العنوان الذي يتحركون من خلاله لمواجهة هذه المسيرة.
على مستوى قوى النفاق كانت في حالة كبيرة من الإحراج أمام هذا المشـروع، أمام هذه الخطوة الأولى في هذا المشـروع؛ لأنهم إن تحركوا لمواجهته تحت عنوان "إرهاب" لا يمكن، تحت حالة من القمع والاستهداف فضيحة لهم وكشف لحقيقة أمرهم وعمالتهم ونفاقهم وارتباطهم بأعداء الإسلام".(6)
6ـ فضح المشروع الأمريكي في اليمن: يقول السيد حسين رضوان الله عليه في محاضرة (الشعار سلاح وموقف): "عندما نجد الأمريكيين مثلاً لا يريدون أن يستمر هذا العمل، يعني أن هذا هو شاهد على أن لديهم خططًا لليمن نفسه، فهو يشكل عائقًا أمام خطط لهم في اليمن، ليست المسألة أنهم لا يريدون أن يرتفع هذا الشعار وليس لديهم أي فكرة حول اليمن، وهم هناك في بلادهم، ويعتبر الكلام هذا في بلد (كم بيننا وبينه وما علينا منه). لا، إنه يعتبر هذا نفسه: موقفه من الشعار هو شاهد على ماذا؟ على أن هناك خططاً للأمريكيين في اليمن، للهيمنة على اليمن".
7ـ بنى واقعًا محصنًا من الاختراق يقول السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله: "كذلك كان من الأهداف المهمة لهذه الصرخة: تحصين الأمة من الداخل في مواجهة ما تعتمد عليه أمريكا وإسرائيل من الاختراق والتطويع. فعلى مستوى المنعة الداخلية للأمة وللفرد وحمايتها من السقوط في مستنقع العمالة والارتهان، وبناء واقعٍ محصَّن من الاختراق، وعصيٍّ على الهيمنة في مقابل من يحاولون تهيئة المجال وإيجاد بيئة خصبة وقابلة للعمالة والخيانة والهيمنة والسيطرة لمصلحة الأعداء لدرجة عجيبة، تصبح العمالة فيها محط افتخار وتنافس، وسلعة رائجة في سوق النفاق، فالمكسب الأول من مكاسب الشعار، والمشروع القرآني الذي الشعار هو عنوانه، وإلا فهو مشروع شامل ومتكامل وبَنَّاء ونهضوي، يبني الأمة لتكون في مستوى مواجهة التحديات والأخطار.
الشعار والمقاطعة من مكاسبها الأولية هو هذا المكسب: توفر حالة من المنعة الداخلية، حالة من السخط والعداء للأعداء، تحمي الداخل الشعبي لشعبنا ولأمتنا، تحميه من العمالة. عندما يكون هناك بيئة هكذا، بيئة معادية للأعداء، لها موقف معروف منهم، تصبح مسألة العمالة والخيانة مسألة خطيرة، ويحسب العملاء والخونة ألف ألف حساب قبل أن يتورطوا في ذلك، لكن إذا كان هناك واقع مهيأ، ليس هناك أي نشاط عدائي ولا أي موقف، يكون حينئذ مشجعاً للكثير من ضعيفي الإيمان، من الذين ليس لديهم ضمير ولا إنسانية ولا مبدأ ولا وطنية ولا أي شيء آخر، كل عوامل المنعة مفقودة لديهم، يمكن أن يستغلوا الفرصة عندما يجدون بيئة مهيأة وقابلة؛ فيدخلوا في العمالة ولا يتحاشون من أي شيء، ويتسابقون فيها. هذا مكسب مهم، مكسب مهم للغاية".(7) ( ... يتبع الجزء الثاني)
-
ختاما
إن الدروس المستفادة من الصرخة كسلاح وموقف تؤكد أن أي نهضة حقيقية تبدأ من بناء الوعي، وكسر حاجز الصمت، واستعادة الشعور بالمسؤولية فالصرخة، بما حملته من مضامين إيمانية ومواقف عملية، نجحت في تأسيس حالة من المناعة الداخلية، وأوجدت بيئة شعبية عصية على الاختراق، وقادرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين العدو والصديق.
كما أثبتت أن حالة السخط الواعي ليست حالة سلبية، بل دافع أساسي للنهوض، ومحرك لبناء القوة في مختلف المجالات، من الاقتصاد إلى الثقافة إلى الميدان، وفي مواجهة مشاريع التدجين والتطبيع، تبرز الصرخة كخط الدفاع الأول، وكعنوان لمشروع تحرري متكامل، يعيد للأمة دورها، ويؤهلها لخوض معركة الوعي والسيادة بثبات وثقة.
وبذلك، فإن هذا المسار لا يقف عند حدود المواجهة، بل يتجه نحو بناء أمة قوية، واعية، مستقلة، تستمد قوتها من القرآن الكريم، وتتحرك وفق هديه، لتصنع مستقبلها بإرادتها، وتواجه تحدياتها بثبات، حتى تحقق وعد الله بالنصر والتمكين.
...................................................................................................
(1) من خطاب السيد عبد الملك حفظه الله في ذكرى الصرخة لعام 1437هـ.
(2) من خطاب السيد عبد الملك حفظه الله في ذكرى الصرخة لعام 1437هـ.
(3) من خطاب السيد عبد الملك حفظه الله في ذكرى الصرخة لعام 1434هـ.
(4) من خطاب السيد عبد الملك حفظه الله في ذكرى الصرخة لعام 1435هـ.
(5) من خطاب السيد عبد الملك حفظه الله في ذكرى الصرخة لعام 1435هـ.
(6) من خطاب السيد عبد الملك حفظه الله في ذكرى الصرخة لعام 1434هـ.
(7) من خطاب السيد عبد الملك حفظه الله في ذكرى الصرخة لعام 1434هـ.
