مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 15 محرم 1448هـ
تقرير / وديع العبسي
لا يأتي التحذير اليمني من أي تموضع إسرائيلي في ما يسمى "إقليم أرض الصومال" من فائض القوة، أو من باب التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإنما من زاوية ترتبط بالاستقرار الإقليمي، واستحقاقات السيادة الوطنية، وحماية الأمن القومي اليمني، والدفاع عن المصالح العليا للدولة، في ظل بيئة إقليمية تشهد تحولات عسكرية وسياسية متسارعة، وتنافساً دولياً غير مسبوق على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
في مرحلة بالغة الحساسية من التفاعلات السياسية والعسكرية، ومع تكشف مساعي قوى الطاغوت أمريكا و"إسرائيل" لإعادة فرض هيمنتها المباشرة على المنطقة، يتجلى التحرك العسكري والأمني "الإسرائيلي" المتمثل بالتوغل في النطاق الجيوسياسي للصومال، متجاوزاً كافة التفاهمات الإقليمية ومسارات التطبيع؛ برعاية ودعم لوجستي أمريكي مكثف ومتأهب لحمايته، الأمر الذي يمنح الكيان مزايا استراتيجية نوعية تمهد له الطريق لإطباق الحصار ووضع المحيط الإقليمي والممرات المائية الحيوية تحت سلطة المراقبة والتحكم المباشر.
ولم تقتصر غايات هذا التمركز على المكاسب الجغرافية الفورية، بل تكشف القراءة الاستراتيجية عن نوايا صهيونية حثيثة للظفر بموطئ قدم دائم بالقرب من خطوط الملاحة الدولية، وانتزاع واحدة من أهم الأوراق الجيوسياسية من أيدي العرب والمسلمين؛ بما يمكّنه من خنق شعوب المنطقة عبر التحكم بشريان طاقة وحركة العالم. يضاف إلى ذلك السعي لبناء قدرات متقدمة للرصد والاستخبارات في منطقة القرن الإفريقي، تتيح له الاقتراب المباشر من الساحة اليمنية، ومتابعة تطوراتها العسكرية عن كثب، ما يشكل تهديداً وجودياً ومباشراً للأمن القومي اليمني.
-
قواعد عسكرية وبؤر استخباراتية
في البُعد الاستراتيجي الأوسع، يؤكد هذا التموضع العسكري رغبة صهيونية جامحة لتوسيع شبكة نفوذ الكيان الإسرائيلي في القارة الأفريقية وجنوب البحر الأحمر؛ بوصفه أحد أهم المسارح الجيوسياسية في العالم، ولا يمثل التحكم بمسارات هذا البحر ومضيق باب المندب الحيوي مجرد مناورة مؤقتة، بل خطوة محورية لتهيئة المناخات الدولية والإقليمية لإعادة تشكيل خارطة المنطقة، وبما يخدم الطموح الصهيوني التوسعي في إقامة كيانٍ ممتد يلتهم دول المنطقة ومقدراتها.
وأمام هذه الحقائق، لم تعد التحركات الصهيونية ونواياها التوسعية خافية على أحد، وهو ما يرفع من حجم المسؤولية التاريخية والأمنية الملقاة على عاتق الدول المطلة على البحر الأحمر للتحرك العاجل، ولجم هذا العدو عن حالة السعار الاستعماري التي تسيطر عليه، فهذا الوجود الخطير لا يتوقف عند حدود الاعترافات السياسية المزعومة بين كيانين لا سند قانوني أو شرعي لوجودهما، بل يتجاوز ذلك إلى "شرعنة" فتح أراضي الإقليم الانفصالي لإنشاء قواعد عسكرية وبؤر استخباراتية تعيد صياغة التوازنات الأمنية لصالح الاحتلال؛ الأمر الذي ينذر بمخاطر أشد عمقاً، تتمثل في فتح شهية قوى دولية وإقليمية أخرى لتعميق التواجد العسكري وعسكرة المنطقة بالكامل. وتأسيساً على هذه المعطيات، يغدو هذا التواجد "الإسرائيلي" في الإقليم الانفصالي بؤرة تفجير حقيقية وتهديداً مباشراً لليمن والمنطقة بأسرها؛ الأمر الذي يدفع بهذه القضية لتتصدر اليوم أكثر الملفات الجيوسياسية سخونة وحساسية في عموم القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، ينظر اليمن إلى أي حضور للعدو الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي، وخاصة إقليم أرض الصومال، باعتباره خطاً أحمر وتطوراً استراتيجياً بالغ الخطورة؛ نظراً لما يمثله من تأثير وتحدٍّ مباشرين للأمن الإقليمي، وأمن الملاحة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب. يمتد نطاق التهديد ليتحول هذا التعاون غير الشرعي إلى بؤرة لتوليد التهديدات التي ستطال حتماً كافة دول العالم المستفيدة من هذا الشريان المائي الحيوي؛ إذ يترتب على هذا التموضع الجديد تأجيج التنافس الدولي في منطقة القرن الأفريقي، وتحويلها من ساحة تشهد -أصلاً- ازدحاماً بالقواعد العسكرية، إلى ساحة تتسارع فيها وتيرة عسكرة المنطقة، وتضعها برمتها على حافة مواجهة صدامية شاملة.
-
محاولات "إسرائيلية" لإنجاز نصر
يرى خبراء أمنيون في تقارير مؤسسة FMES الفرنسية أن التموضع الاستخباراتي في مطار وميناء "بربرة" يهدف مباشرة إلى جمع المعلومات والإنذار المبكر ضد الأنشطة العسكرية اليمنية (أنصار الله). هذا الأمر أقرت به النخبة العبرية، إذ أكد سياسيون ومحللون لشبكة Bloomberg ومعهد INSS العبري أنه ومنذ أول تحرك تقاربي، كان دافع "إسرائيل" الرئيس من خطوة الاعتراف بـ"أرض الصومال" هو إنشاء قواعد استخباراتية وعسكرية متقدمة تقع على الساحل المقابل لليمن مباشرة، بما يسمح للكيان تتبع عمليات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة وسفن الاستطلاع بدقة وفي ثوانٍ معدودة.
وإلى ذلك أيضا يرى محللون في مؤسسة FMES الفرنسية للدراسات الاستراتيجية أن "إسرائيل" تحاول تعويض عجزها عن حماية ملاحتها في البحر الأحمر عبر خلق "عمق أمني مضاد"، عبر التواجد في القرن الإفريقي. يسعى الكيان لإعادة فرض الردع وكسر الحصار البحري اليمني المفروض على موانئ فلسطين المحتلة (مثل أم الرشراش) عبر خنق خطوط الإمداد القريبة. وهذا إجمالا يثير الموقف باعتبار الأمر خطراً ينبغي إنهاؤه.
ويؤكد عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح بأن أي تحرك عسكري صهيوني في مياه أو أراضي "أرض الصومال" هو تهديد مباشر للأمن القومي اليمني، وسيجري استهدافه بكافة الوسائل المتاحة فوراً.
-
السيد يحسم الموقف
الموقف اليمني كان قد تصدره السيد القائد عبد الملك الحوثي بتأكيد ناري، حيث حسم الموقف اليمني تجاه مساعي "تل أبيب" لبناء قواعد عسكرية واستخباراتية في الساحل الجنوبي لخليج عدن، وأعلن بوضوح أن "اليمن لن يقف مكتوف الأيدي، ولن ينتظر المتخاذلين حتى يتخذوا موقفاً، بل سيبادر في أي وقت يقوم فيه العدو بأي تمركز في أرض الصومال إلى استهدافه بكل الوسائل المتاحة".
تصريحات السيد القائد التي توعد فيها باستهداف أي تواجد أو تمركز "إسرائيلي" في إقليم أرض الصومال (صومالي لاند) حظيت باهتمام رسمي وإعلامي واسع. ويؤكد مراقبون عسكريون أن اليمن لن يتردد فعلا في نقل المعركة إلى عمق القارة الأفريقية؛ ما يعني أن الصواريخ والمسيّرات اليمنية التي تستهدف البحر الأحمر وخليج عدن باتت تمتلك الآن "بنك أهداف ثابتاً ومتحركاً" على الضفة الأخرى من خليج عدن (في مدن مثل بربرة وهرجيسا).
-
إقرار عبري
خبراء الكيان العسكريون في ما يُعرف بمعهد دراسات الأمن القومي "الإسرائيلي" (INSS) يُقرون من جهتهم أن تهديدات السيد القائد ليست مجرد مناورة خطابية، فاليمن -حسب طرحهم- يمتلك قدرات صاروخية وسلاح جو مسيّر أثبت فاعليته في البحر الأحمر، ما يعني أن أي منشأة أو قوة "إسرائيلية" في الإقليم ستكون تحت رصد ومطاردة النيران اليمنية بشكل مستمر.
فيما علق سياسيون بأن التحذيرات اليمنية جاءت في وقتها لردع "مؤامرة خبيثة"، مشيرين إلى تقارير استخباراتية تفيد بأن التواجد "الإسرائيلي" في أرض الصومال لا يستهدف التجسس على اليمن فحسب، بل يمهد أيضاً لمخططات تهجير قسري للفلسطينيين من قطاع غزة إلى القرن الأفريقي، وهو ما ترفضه دول المحور والمنطقة كلياً.
