مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - متابعات - 21 شعبان 1447هـ
استطلاع/ يحيى الربيعي
على مسار الاستجابة لموجهات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي على دعم الأسر المنتجة، والتي أرست ركائز الجبهة الاقتصادية ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى كسر أغلال التبعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتماشياً مع استراتيجية الربط بين الإنتاج الفردي وقيم العزة والكرامة من خلال تحويل المنزل اليمني إلى وحدة إنتاج فعالة في خندق المواجهة الاقتصادية يترسخ الصمود اليمني.
هذه الموجهات تأتي في سياق صمود المجتمع اليمني ضد تداعيات الحصار الذي تفرضه قوى العدوان الأمريكي السعودي، ومن أجل التجاوز بهذه الرؤية مفهوم العمل التقليدي لتصل إلى مرتبة النهضة الحضارية، يجري الإعداد لاعتبار الإنتاج الأسري اللبنة الأساسية لبناء اقتصاد مستقل، وذلك من خلال الحث على تحويل البيوت إلى ورش عمل (للزراعة، والخياطة، والتصنيع الغذائي، والمستحضرات) في رد راديكالي على الاحتكار العالمي وسياسات الهيمنة التي تنتهجها القوى الاستعمارية.
-
تحويل الموجهات إلى واقع ميداني
انطلاقاً من هذه الرؤية الحكيمة، وتجسيداً لإرادة التحرر الاقتصادي، دشنت أمانة العاصمة صنعاء ومؤسسة بنيان التنموية، بالتعاون مع شركاء التنمية في وزارات (الزراعة والثروة السمكية، الاقتصاد والصناعة، الشؤون الاجتماعية) والجمعيات التعاونية، مهرجان "رمضانك محلي" في سوق الخميس بميدان التحرير. يأتي هذا التحرك خطوةً عملية لإسناد مسارات تنمية المنتج المحلي، وترسيخ ثقافة الاعتماد على الذات في مواجهة الاستهلاك العبثي للسلع المستوردة.
خلال التدشين، أكد القائم بأعمال رئيس الوزراء، العلامة محمد مفتاح -في لقاء صحفي موسع- أن المهرجان ترجمة حقيقية لتوجه الدولة نحو تمكين المبادرات المجتمعية، وأوضح أن هذه الفعاليات ليست مجرد أسواق عابرة، وإنما أدوات لتنشيط الحركة التجارية المحلية وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين بما يخدم الصالح العام.
موقع "أنصار الله" حضر اللقاء، ونقل من خلال سطور هذا التقرير بعضاً من النقاط والتوجيهات مما أشار إليه العلامة مفتاح، والتي ركزت -في مجملها- على أهمية تكاتف الجهات الرسمية (أمانة العاصمة ومؤسسة بنيان والوزارات والمؤسسات والهيئات والصناديق ذات العلاقة من صناعة واستثمار وشؤون اجتماعية، ومواصفات ومقاييس، وجمعيات وقطاع خاص ومجتمع) لتأهيل وتدريب وتسويق واستهلاك نتاج هذه الأسر ضمن التفعيل الأمثل لاستراتيجيات سلاسل القيمة وبرامج ومشاريع توطين وإحلال المنتج المحلي كبديل عن المستورد، مشدداً بنبرة واثقة: "إننا بصدد إطلاق مشروع وطني يهدف للوصول إلى عشرات الآلاف من الأسر المنتجة، وتوفير كل الدعم الفني والاستشاري ومستلزمات الإنتاج للارتقاء بجودتها".
وعلى الرغم من تواضع الإمكانيات المادية الحالية للمشاركين، إلا أنه اعتبر المهرجان إنجازاً استراتيجياً، كونه يفتح متنفساً تسويقياً لأسر تعاني ويلات العدوان، مؤكداً الحاجة الماسة لتحويل هذه المعارض الموسمية إلى مراكز تسويق دائم ومستدام وفقاً للتوجيهات القيادية الصارمة.
-
معركة سلاسل القيمة
من جانبه، رسم القائم بأعمال وزير الزراعة والثروة السمكية، عمار الهارب، لوحة للصمود اليماني، مؤكداً أن هذه الأسر باتت تمتلك قصص نجاح حقيقية بامتلاكها مصادر دخل مستقلة. وشدد الهارب على أن الدولة لن تتخلى عن هؤلاء حتى يتحولوا إلى رواد أعمال يمتلكون كبرى المحلات التجارية، مشيراً إلى أن هذه المشاريع الصغيرة هي السلاح الفعال لكسر رهان العدو على سلاح الحصار.
وكشف الهارب عن خطة لرفع نقاط التسويق في الأمانة إلى عشر نقاط دائمة، مؤكداً أن العمل جارٍ على حماية هذه السوق عبر ضبط حركة حلقات سلاسل القيمة، من المدخلات وصولاً إلى المستهلك. ووجه خطاباً مباشراً للمشككين أكد فيه على أن المنتج المحلي اليوم يتفوق بمراحل على المستورد: صحياً واقتصادياً. نحن نعمل على تحويل مخرجات الزراعة إلى مدخلات للصناعة، وتقليص فاتورة الاستيراد بقدر ما ننتجه محلياً. مشيراً إلى أن هذا التوجه هو جزء من صراع الإرادات؛ كاشفاً عن أنه سيتم تقييد دخول المنتجات الخارجية تدريجياً لصالح السيادة الوطنية الكاملة على السوق.
-
التدريب كمدخل للنهضة
وفي ذات السياق، أوضح المهندس علي ماهر، رئيس قطاع التنسيق الميداني بمؤسسة بنيان التنموية، أن المهرجان جاء لمواكبة احتياجات الأسر قبل حلول شهر رمضان، داعياً المجتمع إلى مؤازرة هذه الأسر التي ستقوم على أيديها النهضة الاقتصادية المنشودة. وأكد أن المؤسسة اعتمدت منهجية العمل المتكامل (توعية، إرشاد، تدريب، تنسيق مع هيئة المواصفات) لضمان جودة تنافسية تزيح المنتجات الأجنبية من الصدارة.
كما أشار المهندس علي الهارب، نائب مدير عام التسويق بوزارة الزراعة، إلى أن تمديد المهرجان لعشرة أيام يستهدف الاستفادة من الذروة الاستهلاكية الرمضانية، بمشاركة واسعة من معامل الصناعة التحويلية والجمعيات الزراعية، في حلقة متكاملة لخدمة الاقتصاد المقاوم.
-
تجسير الفجوة بين الريف والحضر
وفي سياق متصل، قدم رشاد الفضيل، مدير إدارة البرامج المركزية بمؤسسة بنيان، قراءة توضيحية لمهرجان "رمضانك محلي"، معتبراً إياه منصة انطلاق لتجسيد "المثلث السيادي" (الغذاء، الدواء، والكساء). وأوضح الفضيل أن المهرجان ليس مجرد فعالية تسويقية عابرة، بل هو مساحة لتكريس الأولويات الوطنية التي دعت إليها القيادة الثورية والسياسية، كضرورة حتمية لكسر سلاح التجويع والابتزاز الذي تشهره قوى الاستكبار العالمي في وجه الشعب اليمني.
ولفت الفضيل إلى أن أحد أهم مخرجات هذا المهرجان هو إيجاد "تشبيك عضوي" ومباشر بين الجمعيات التعاونية في الريف والأسر والمنتجين في الحضر. هذا المسار يهدف إلى ضمان وصول المادة الخام المحلية من المزارع والمنتج الريفي الصامد إلى يد المصنع والأسرة المنتجة في المدينة، بعيداً عن دهاليز السماسرة وأدوات الاحتكار الأجنبي. إن هذا الربط -بحسب الفضيل- يمثل جدار حماية وطنياً يحصن الاقتصاد المحلي من "تقلبات الأسواق العالمية" التي يتحكم بها اللوبي الصهيو-أمريكي، ويجعل دورة الإنتاج يمنيةً خالصة؛ من التربة وحتى المستهلك.
وأشار الفضيل إلى أن المهرجان يقدم البديل العملي والواقعي لسياسات المقاطعة الاقتصادية؛ فبينما يرفض الشعب اليمني منتجات قوى العدوان، يوفر "رمضانك محلي" السلعة البديلة ذات الجودة العالية والمواصفات المعتمدة. وأكد أن حضور هيئة المواصفات والمقاييس في قلب المهرجان يقطع الطريق على المشككين في قدرة المنتج اليمني، ويمنح الأسر المنتجة الدعم الفني اللازم لتحويل منازلها إلى معامل تضاهي في دقتها خطوط الإنتاج الكبرى، ما يسهم في تقليص فاتورة الاستيراد التي كانت تستنزف العملة الصعبة وتخدم ميزانيات العدو.
وختم الفضيل حديثه بالتأكيد على أن هذه المساحة التسويقية، الممتدة لعشرة أيام، هي اختبار حقيقي لوعي المجتمع؛ فكل عملية شراء لمنتج محلي هي بمثابة رصاصة في صدر الحصار، وخطوة جادة نحو تحقيق الأمن الغذائي والدوائي. إن مؤسسة بنيان -عبر هذا المشروع- تسعى لتحويل الأسر من حالة الاستهلاك والانتظار إلى حالة الفعل والإنتاج، انسجاماً مع المشروع القرآني الذي يرفض أن تكون الأمة عالة على أعدائها، ويؤسس لنهضة شاملة تجعل من اليمن رقماً صعباً في معادلة التجارة الإقليمية والدولية، مستنداً إلى موارده الذاتية وسواعد أبنائه الأحرار.
-
وعي بالتحديات
وفي قراءة تحليلية من زاوية مجتمعية، عبر التربوي زياد رفيق عن فخره بهذا التوجه الرائع لشعب الإيمان والحكمة. وانتقد رفيق بشدة واقع الأمة المستهلكة التي تأكل مما يزرع غيرها، مؤكداً أن شعار الشهيد الرئيس صالح الصماد "يد تحمي ويد تبني" هو البوصلة الحقيقية التي تدور حولها اهتمامات وتوجهات المجتمع والدولة.
ودعا رفيق -صراحة- إلى المقاطعة الشاملة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، معتبراً شراءها دعماً مباشراً لمن يقتل اليمنيين، بينما يمثل شراء المنتج المحلي واجباً دينياً ووطنياً، خاصة وأن المنتجات المحلية كالملابس وغيرها أثبتت جودة عالية تضاهي المستورد الباهظ الثمن.
-
من الحِرفة المنزلية إلى المصنع الوطني
في المحصلة النهائية، لم يكن إجماع القيادات السياسية والشخصيات الاجتماعية والإعلاميين والناشطين الذين تقاطروا لزيارة مهرجان "رمضانك محلي" مجرد إشادة بفعالية اقتصادية وكفى، بقدر ما مثل إعلاناً جماعياً عن ولادة "عقيدة إنتاجية" جديدة تتجاوز منطق الاستهلاك الذي فرضته الصهيونية لقرون. لقد أجمع الحاضرون، وهم يتفحصون مقتنيات ومنتجات الأسر اليمنية، على أن هذا المهرجان يمثل رأس حربة في مشروع وطني يتطور نوعاً وكيفاً ليمسح غبار التبعية عن كاهل الإنسان اليمني.
وتؤكد انطباعات الزائرين للمهرجان أن تحول هذه الأسر المنتجة إلى خطوط إنتاج ومعامل صناعية كبرى، تغزو منتجاتها "المولات" والمراكز التجارية العملاقة، ليس طموحاً وردياً، وإنما حتمية تاريخية يفرضها واقع الصراع الراهن. مشيرين إلى أن هذا التحول يمثل الرد العملي والميداني على سياسات الإذلال الاقتصادي التي تحاول القوى الاستعمارية من خلالها تدجين الإرادة اليمنية. فكل قطعة قماش تُحاك، وكل صنف غذائي يُنتج محلياً، هو في جوهره قرار سيادي يسحب البساط من تحت أقدام الشركات العابرة للقارات التي تقتات على دماء ومعاناة الشعوب المحاصرة.
لقد تجلت في هذا المهرجان حقيقة أن الاعتماد على النفس ليس شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل هو جوهر المعركة الوجودية التي يخوضها اليمن اليوم. وأكد المجتمعون أن هذا المسار التحرري ما كان ليرى النور لولا وجود القيادة الحكيمة ممثلة بالسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، الذي استطاع ببصيرته الحكيمة أن يحول التحديات إلى فرص، ويجعل من صمود الأسر اليمنية المتواضعة مادياً، عظيمةً بإرادتها، ركيزةً أساسية لبناء اقتصاد حر ومستقل.
إن الرؤية التي يطرحها السيد القائد لا تكتفي بسد الرمق، بل تسعى لإعادة هندسة المجتمع اليمني ليكون أمةً منتجة تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع، كشرط أساسي لانتزاع قرارها السياسي. وبناءً عليه، فإن هؤلاء القادة والمثقفين يرون في "رمضانك محلي" نبوءةً بمستقبل قريب، تصبح فيه الأسواق اليمنية خالية من أدوات الطغيان العولمي (المنتجات الأمريكية والإسرائيلية)، وتتحول فيه مدخلات ومخرجات الإنتاج الوطني إلى عصب الحياة اليومية في ظل "معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس".
الخلاصة: إن رسالة مهرجان "رمضانك محلي" هي رسالة استعلاء بالإيمان والعمل؛ فاليمن الذي يصنع طائراته المسيرة وصواريخه البالستية، هو ذاته اليمن الذي يبني اليوم جهازه الإنتاجي المنزلي والمجتمعي، ليثبت للعالم أجمع أن الشعوب التي تمتلك إرادتها لا يمكن لحصارٍ أو عدوان أن يثنيها عن بلوغ ذرى المجد والسيادة.
